بقلم / سعيد بلفقيه *
ما من شك في أن التموقع المركزي الذي أضحى يحتله الإعلام في المنظومة المجتمعية وهندستها المؤسساتية يجعله أمام جسامة مسؤولية الإسهام في بناء الوعي الجمعي المرتبط عبر التأثير على الرأي العام وكشف الحقائق وتغطية الوقائع ونشر الأخبار، كما يتحمل وزر مسؤولية توجيه المتلقي توجيها سليما لتغذية عدد من القيم والمبادئ من قبيل روح وثقافة المواطنة، احترام الإختلاف بإبداء الرأي وتقبل الرأي الآخر، التعايش السلمي…، وإذا كانت تلك هي حالة الإعلام، وارتباطا بالأدوار المناطة إلى مكونات المجتمع المدني المرتكزة أساسا على تقديم خدمات شتى لمختلف الشرائح المجتمعية. فكيف يمكن الربط بين الإعلام بدوره الإخباري وبين المجتمع المدني بمهامه التأطيرية والخدماتية ؟ وما هي أبرز نقاط الإلتقاء والتكامل، ونقاط الإختلاف والتباين بين الطرفين، على اعتبار أن الإثنين يتوجهان إلى الجمهور الواسع لاستقطابه والتأثير على رأيه وتوجهاته؟
لا يختلف اثنان على كون منذ وُجد الإنسان على وجه البسيطة وهو في حاجة لأن يتقاسم مع الآخرين ما يعمل، وما يفكر فيه، ويعرف منهم، كذلك، ما يعملونه، وما يفكرون فيه، لأن طبيعة الإنسان الإجتماعية ( كما أكد على ذلك ابن خلدون في مقدمته) تجعله يهتم بما يدور حوله، فكان لابد من ابتداع وسيلة للتواصل والتعبير عن انشغالاته وآرائه، وآماله وآلامه وحاجاته، إلى غير ذلك، عبر وسائل متعددة تطورت مع تطور العقل البشري، من حركي إلى شفوي إلى منقول إلى منقوش إلى مكتوب إلى مسموع وإلى مرئي.
والإعلام بهذا المنظور الفلسفي، ضارب في الأزمان الغابرة، جايل مختلف الحضارات في الجزيرة العربية ومصر والصين والرومان، وغيرها من الأمم العريقة.
وإذا كانت الأخبار في العصور السحيقة، مزيجا من الخيال والواقع، تماشيا مع ثقافة مجتمعاتها التواقة إلى التسلية والإشادة بالبطولة والقوة آنذاك، فإن هذا اللون من الأخبار كان بمثابة قصص كثيرة التداول بين الناس ويعمر طويلا بانتقاله من جيل إلى جيل، على صورة قصص شعبية، أو فولكلور… وهذا يبين أن الإعلام، كظاهرة اجتماعية ضاربة في القدم، تموقعت في المخيال الجمعي منذ العصور الأولى. وانطلاقا من منطق التطور الذي تعرفه مختلف التمظهرات المجتمعية، فإنه بدوره خضع لهذا المنطق وعرف تطورات عدة سواء من حيث التسمية وشكلياتها أو من حيث الأدوار ووسائلها، حيث تلبس في العصر المعاصر بلبوس المهنة التي أضحت تحتل مكانة في المواثيق الدستورية والأنظمة القانونية التي تؤطر الحياة البشرية، حيث تم الإلتقاء والتوافق على أن تقوم بوظيفتها تلك بشكل محايد وموضوعي بجمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور، وغالبا ما تتمحور هذه الأخبار حول مستجدات الأحداث على الساحة السياسية العامة أو المحلية أو الثقافية أو الرياضية أو الإجتماعية وغيرها. وبمعنى آخر، فهي صناعة لمواد إعلامية تهتم بجميع الأحداث التي تهم الأفراد والمجتمع إن في بعدها الوطني أو الدولي.

وإذا كان الجمهور الواسع هو مرمى وظيفة الإعلام الذي يروم التأثير على توجهاته وآرائه، فإن التحولات الكبرى التي طرأت على الحياة البشرية في شتى المناحي السياسية الإقتصادية والمعرفية والثورة المعلوماتية والتكنولوجية…، اقتضت البحث عن إعلام جديد برؤية جديدة ومتجددة تكون أكثر قربا ومصداقية ومنفعة للمجتمع، بعدما بارت بضاعة الإعلام التقليدي، وانكشفت عدم حياديته وموضوعيته وانحيازه لخدمة أجندات معينة وتوجهات بعينها، فطفا على السطح المجتمعي مطلب إعلامي ينشد التأسيس لممارسة إعلامية جديدة كبديل للإعلام التقليدي، وهو إعلام القرب بكل تمظهراته والذي يتماشى وفلسفة المجتمع المدني المرتكزة على الفعالية والنجاعة، ولكن حراك هذا النوع من الإعلام ظل يدور في مساحة ضيقة إذا ما قورن مع الإعلام التقليدي، إلا أن أهميته والإيمان به يترسخ يوما بعد يوم لإشعار المواطن بدوره وتأثيره في التفاعل مع الحدث الإجتماعي والمشاركة الفعالة في التغيير وقيادة الحدث عبر منابر تتفاعل مع الخبر ولا تكتفي بمراقبته ورصده فقط، بل حث المتلقي على المشاركة في معالجته وفهمه والإشتراك فيه باستبداع الحلول والبدائل عبر خطاب إعلامي مختلف عما اعتاد عليه، إذ تعتبر هذه الرهانات هي ذاتها ضالة مكونات المجتمع المدني الذي أضحى يلح على المنابر الإعلامية نهج إعلام القرب والنجاعة الإخبارية والتوجيهية بالرغم من صعوبة هذا المطلب، حيث مازالت الرؤية التقليدية لبعض المنابر الإعلامية هي المهيمنة في الأعم الأغلب مع تماهي جزء من مكوناتها مع هذا المطلب الجمعوي والمجتمعي.
ومن جهة أخرى، فإن ما يُؤخذ على بعض المنابر الإعلامية من انحياز وتحيز لجهات وأجندات معينة، ينسحب كذلك على بعض مكونات المجتمع المدني الذي بدا أنه يخدم أيضا توجهات وأجندات وخلفيات فكرية أو سوسيوثقافية أو إيديولوجية دون أخرى.
وانطلاقا من رصد الواقع نجد أن نسبة مهمة من الجمهور المتلقي يعرض عن الإقبال أو التفاعل مع الخدمات والأنشطة التي تفوح منها رائحة التحيز والأدلجة سعيا منه إلى النأي بنفسه عما يلمسه من رؤى وبرامج يراها تحقيرية وتبخيسية له ويعتبرها وصاية فكرية مرفوضة تنهجها هذه المنابر الإعلامية وتلك الفعاليات الجمعوية تجاهه، مما يفرغ فلسفة هذه التنظيمات والمؤسسات المجتمعية من محتواها ومراميها التي أنشأت من أجلها.
وعطفا على كل ما سلف بسطه، تتضح لنا علاقة التكامل الوظيفي بين مكونات المجتمع المدني والمنابر الإعلامية، هذه الأخيرة التي تشكل إحدى أهم أدوات منظمات المجتمع المدني لتحقيق غاياتها وأهدافها، إذ شهد العالم تطوراً مذهلا في العقد الأخير مما عجل من ازدياد وثيرة التأثير ونقل المعلومة بتجاوز كل الحدود الجغرافية، الأمر الذي سهل العديد من مهام منظمات المجتمع المدني للقيام بأدوارها، بل يجزم البعض أن الإعلام قد ساهم بشكل مؤثر في المسيرات النضالية التي خاضتها منظمات المجتمع المدني من أجل الحقوق المدنية والسياسية والسوسيوثقافية التي تتمحور حولها كل خدماتها ومرافعاتها، ويأتي على رأسها الحق في حرية الرأي، المشاركة، والعيش الكريم … باعتبارها وعاء مستوعب لباقي الحقوق، وبيئة حاضنة لتخصيب وإثراء ما تم ترصيده من مكتسبات مجتمعية، مما انعكس على مستوى تلك البرامج وأساليب العمل المتبعة من قبلها.
وعليه فإن الإعلام لعب دورا مركزياً في نشر قضايا ومطالب مكونات المجتمع المدني بالمجمل ليس فقط محليا، بل غذى هذا التوجه حتى على الصعيد الدولي بمخاطبته للهيئات الدولية لإدراك أهمية ودور نشر الثقافة الجمعوية بشتى توجهاتها واهتماماتها، على اعتبار أن ظروف اشتغال وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني أضحت تشكل محددا أساسيا وجوهريا ومعياراً مقياسيا كاشفاً لتقدم المجتمعات، حيث مرد ذلك لاعتبارات عدة نورد منها ما يلي :
1) يشكل الإعلام وسيلة هامة وحيوية لدى الحركة الجمعوية للتعريف بها ولتأمين حماية حقيقية لها .
2) الأداء الإعلامي الواعي وخاصة في جوانب الإخبار والرصد والتوثيق، يشكل رأي عام ضاغط وفاعل لتقوية ومساندة مرافعات الهيئات الجمعوية .
3) يلعب الإعلام والمجتمع المدني دوراً مهما في خلق مجتمعات منفتحة وقادرة على الدفاع وتدعيم القضايا الحيوية من خلال فهم الأدوار الحقيقية التي من الممكن القيام بها عبر تنفيذ العديد من الأنشطة بشكل مستمر تتضمن مناقشة كافة الإنشغالات وكافة المستجدات المجتمعية.
وتأسيسا على ما سبق، واعتبارا لكونهما أضحيا من المؤشرات التي تقاس بها درجات المنظومة الحقوقية للأمم في احترامها لشعوبها، فإننا نستشف بأن أي بناء ديمقراطي لا يستقيم في غياب مبدأ الحرية، والتي تعد عنصرا رئيسيا لإتاحة الفرصة لعمل وتحرك المجتمع المدني والإعلام على حد سواء المرتبط بالمواطنة البناءة والمسؤولة والحق في إبداء الرأي بشأن القرارات العمومية والإسهام في إنتاجها كل من دوره المجتمعي المناط إليه، فإشراك المواطنين وكل الفاعلين على اختلافهم يرتبط بمدى الشعور بالمواطنة وما تحمله من قيم التشارك المسؤول في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وهذا ما يدل على أنه لا يمكن حصاد ثمار ذلك البناء الديمقراطي إلا في ظل إعلام حر وصحافة حقيقية تعتبر مرآة لواقع المجتمع، فالإعلام وحرية الوصول إلى المعلومة ونشرها من الضمانات الأساسية لهذا البناء وهذا ما جعله أحد المبادئ التي أقرها دستور 2011، حيث نص على أحقية المواطنين كافة في الحصول على المعلومة لدى الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بالمرافق العامة. ومن جهة ثانية، فإن المشهد الإعلامي المفتوح يقوم على إثره المجتمع المدني بالمطالبة بالحق في حرية الاتصال والإعلام وفقا للمعاهدات والمواثيق الدولية مساهمة منه في إنتاج وصنع السياسات العمومية بالأشكال والكيفيات المنصوص عليها دستوريا سواء مؤسساتيا (هيئات التشاور العمومي) أو قانونيا (تقديم العرائض والملتمسات).
وعموما فإذا كانت المرامي المشتركة بينهما كفاعلين مجتمعيين في ترابط وتلازم وتكامل وظيفي، فلا ضير في القول بأن الغايات الكبرى للإعلام والمجتمع المدني تتمحور أساسا حول نشر ثقافة المشاركة وتجسير عرى الإنتماء وتقوية وشائجها بمواكبتهما للمؤسسات الرسمية المنتجة للسياسات العمومية عبر التعبئة لأي فعل تنموي منشود، بتحسيس مختلف الطاقات والقوى الحية للبلاد، وتجنيد الرأي العام الشعبي لتحفيزه على الإنخراط في مساعي ومخططات السياسات العمومية المنتهجة في أفق التأسيس لنموذج تنموي جديد ومتجدد يقوم على مقاربة أفقية منفتحة على مختلف الأطراف ذات الإرتباط بالقرار العمومي، إن على مستوى النخب السياسية الرسمية (السلطتين التنفيذية والتشريعية) أو المؤسسات الموازية (مؤسسات الإستشارة العمومية) أو القوى والطاقات الشعبية (المواطنين والفعاليات المدنية)، إسهاما من الجميع في بناء تجربة تنموية يمكنها أن تشكل الأداة الأمثل للإستمرار في وضع كرامة الإنسان المغربي في صلب اهتماماتها وبانسجام وتكامل بين مختلف هذه المكونات المجتمعية، والحيلولة دون السقوط في تنميط الفعل التنموي العقيم المنتج للهشاشة والتبعية الإجتماعية، بل يجب التلبس بنموذج تنموي بمقومات وفلسفة تتغيى في أنبل مساعيها إغناء وتطوير التجربة المغربية عبر/ ومن داخل مؤسساتها السوسيوتنموية التي لا ولن يستقيم قوامها إلا على خدمة المصالح الفضلى للوطن أولا ودائما.

