القناة من الدار البيضاء
أكد البنك الدولي، مقال تحليلي تحت عنوان “مدارس الريادة بالمغرب: من أجل تعليم أفضل للتلاميذ”، أن برنامج “مدارس الريادة” الذي أطلقه المغرب يمثل تحولا جذريا في المنظومة التربوية للمملكة، مبرزاً قدرة البرنامج على تحقيق تحسينات ملموسة وواسعة النطاق في مستويات التعلمات الأساسية وتجاوز معضلة “فقر التعلم”.
من “ولوج المدرسة” إلى “تجويد التعلم”
وأشار المقال إلى أن المغرب، ورغم نجاحه في تعميم ولوج التعليم خلال العقدين الماضيين، ظل يواجه تحدياً مستمراً يتعلق بـ “فقر التعلم”؛ حيث كشفت معطيات سنة 2023 أن نحو 60% من الأطفال في سن العاشرة عجزوا عن قراءة وفهم نص بسيط بنهاية السلك الابتدائي، مما أكد حتمية الانتقال من التركيز على استيعاب التلاميذ إلى التركيز على جودة ومخرجات التعليم.
واستجابة لهذا التحدي، واسترشادا بالرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 وخارطة الطريق 2022-2026، أطلقت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مبادرة “مدارس الريادة” خلال الموسم الدراسي 2023-2024 كركيزة أساسية للإصلاح.
دعم دولي ومقاربات بيداغوجية حديثة
يدعم البنك الدولي هذه الإصلاحات عبر “برنامج دعم قطاع التعليم” (PASE) بقيمة 750 مليون دولار أمريكي. ويرتكز هذا البرنامج على تمويل وتعميم طرق تدريس قائمة على الأدلة العلمية، وفي مقدمتها مقاربة “التدريس وفق المستوى المناسب” (TaRL)لمعالجة التعثرات المتراكمة، واعتماد “المقاربات البيداغوجية المهيكلة” (الدروس الموجهة)، والتقويم التكويني المستمر.
كما يتضمن الإصلاح ترقية شاملة لبيئة التعلم؛ يشمل تأهيل البنيات التحتية، وتوفير التجهيزات الرقمية، ومضاعفة الميزانيات التشغيلية للمؤسسات التعليمية ثلاث مرات، مع التركيز على الاستثمار في التكوين المستمر والمصاحبة التربوية لهيئة التدريس.
نتائج أولية “مبهرة” وتوسع سريع
وحول أثر البرنامج، كشف تقييم أولي أعده “مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر” (J-PAL) أن تلامذة مدارس الريادة حققوا قفزة نوعية في مهارات القراءة والكتابة والرياضيات، متفوقين على 82% من أقرانهم في المدارس العادية بعد سنة واحدة فقط من التطبيق.
وبناءً على هذه المؤشرات الإيجابية، سارعت الوزارة إلى توسيع نطاق المبادرة بشكل متسارع؛ حيث يطبق البرنامج حالياً في 4,626 مدرسة ابتدائية عمومية (ما يعادل 54% من المدارس الابتدائية بالمملكة)، ويستفيد منه أكثر من مليوني تلميذ، بتأطير من 75 ألف أستاذ و960 مفتشاً تربوياً.
نحو منظومة عادلة ومرنة
ولم يقتصر الإصلاح على السلك الابتدائي؛ بل امتد تدريجياً إلى السلك الثانوي الإعدادي من خلال المرحلة التجريبية لـ “إعداديات الريادة” (Collèges Pionniers) التي انطلقت في الموسم 2024-2025، لتشمل حالياً 786 إعدادية تضم قرابة 678,000 تلميذ، مع التركيز على المناطق ذات المعدلات المرتفعة في الهدر المدرسي.
واختتم البنك الدولي تقريره بالإشادة بالالتزام المغربي ببناء منظومة تعليمية عادلة ومقاومة للأزمات، قادرة على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية والاقتصادية، معتبراً التجربة المغربية نموذجاً يُحتذى به في كيفية تحويل الرؤى الاستراتيجية الوطنية إلى واقع ملموس داخل الفصول الدراسية وبشكل مستدام.

