القناة من الدار البيضاء
في مفارقة لافتة بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية، يضع حزب الأصالة والمعاصرة الأمن الاستراتيجي الطاقي في صدارة برنامجه الانتخابي، مقترحا استغلال خزانات شركة “سامير” لتأمين مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، فيما تؤكد وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، المنتمية إلى الحزب نفسه، أن إعادة تشغيل مصفاة المحمدية تواجه صعوبات كبيرة، وأن تأميمها أو إعادة تشغيلها ليس خيارا ممكنا في الظرفية الراهنة.
وتطرح هذه المواقف المتباينة سؤالا سياسيا واضحا: إذا كان استغلال خزانات “سامير” يشكل، وفق البرنامج الانتخابي للحزب، مدخلا لبناء الأمن الطاقي للمغرب، فلماذا لم يتحول هذا التصور إلى إجراء عملي خلال السنوات الخمس التي تولى فيها “البام” تدبير قطاع الانتقال الطاقي؟.
فالحزب يقدم في برنامجه الجديد تأمين مخزون وطني من المحروقات لمدة ثلاثة أشهر باعتباره أحد مرتكزات مواجهة “الارتهان الطاقي”، ويقترح، في هذا السياق، الاستفادة من خزانات “سامير”، إلى جانب إلزام مستوردي المحروقات بامتلاك قدرات تخزينية كافية وتشديد الرقابة على انتظام تموين السوق.
غير أن هذا الالتزام يأتي في وقت كانت فيه وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، خلال الولاية الحكومية المنتهية، تحت إشراف وزيرة تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أمام فرصة لتحويل هذا الطرح إلى سياسة عمومية ملموسة، خصوصا أن ملف “سامير” ظل لسنوات أحد أبرز الملفات المرتبطة بالأمن الطاقي للمملكة.
بنعلي: لا مستثمرين يرغبون في إعادة تشغيل “سامير”
وتبدو تصريحات ليلى بنعلي السابق في هذا السياق أكثر إحراجا للخطاب الانتخابي الجديد للحزب، بعدما أقرت بوجود صعوبة كبيرة في إعادة تشغيل المصفاة، موضحة أن المستثمرين لا يبدون رغبة في تشغيل المنشأة.
وخلال مشاركتها في لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، ربطت الوزيرة صعوبة إعادة تشغيل “سامير” بطبيعة السوق الوطنية، معتبرة أن المغرب لا ينتج النفط بالقدر الذي يسمح له بأن يكون في وضع تنافسي في مجال التكرير.
كما استبعدت خيار تأميم المصفاة، بالنظر إلى الكلفة المالية الكبيرة التي سيتطلبها ذلك من ميزانية الدولة.
ولم تتوقف الوزيرة عند الاعتبارات الاقتصادية، بل استحضرت أيضا موقف سكان المحمدية، معتبرة أن شريحة من الساكنة ترفض عودة نشاط التكرير، بالنظر إلى ما تقول إنه أضرار صحية وبيئية لحقت بالمدينة في الماضي.
من “صعوبة التشغيل” إلى “مفتاح الأمن الطاقي”
المفارقة أن البرنامج الانتخابي نفسه يعيد “سامير” إلى واجهة النقاش، ولكن من زاوية مختلفة؛ إذ يجعل خزانات الشركة جزءا من الحل المقترح لتأمين المخزون الوطني من المحروقات.
وهنا يبرز تناقض يستحق المساءلة: هل أصبحت خزانات “سامير” اليوم حلا استراتيجيا بعدما ظلت خلال سنوات تدبير “البام” لقطاع الطاقة خارج تنزيل هذا التصور؟
فإذا كان الحزب يعتبر تأمين مخزون لثلاثة أشهر ضرورة مرتبطة بالأمن القومي والطاقي، فإن الرأي العام يحق له أن يتساءل عن أسباب عدم إعطاء هذا الملف الأولوية نفسها خلال الفترة التي كان فيها الحزب مشاركا في تدبير القطاع، وعن الإجراءات التي اتخذت فعليا لتطوير القدرات التخزينية الوطنية، بعيدا عن إعادة تقديم الفكرة نفسها في قالب انتخابي جديد.
كما أن الاعتماد على خزانات “سامير” في البرنامج لا يعني بالضرورة إعادة تشغيل المصفاة، وهو تمييز مهم، لكنه يجعل سؤال الجدوى والتنفيذ أكثر إلحاحا: هل يتعلق الأمر بخطة قابلة للتنفيذ، أم بمجرد إعادة توظيف لملف ظل حاضرا في النقاش العمومي دون حل نهائي؟
أمن الطاقة.. التحدي بين الوعود والحصيلة
ويضع “البام” ملف الطاقة ضمن أربعة تحديات يعتبرها مرتبطة بالأمن الاستراتيجي للمغرب، إلى جانب الماء والأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي. ويقترح رفع حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي الوطني إلى 52%، مقابل 46% حاليا، بهدف تقليص التبعية للخارج وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة تقلبات الأسواق والإمدادات الدولية.
غير أن الانتقال من تشخيص المخاطر إلى بناء الأمن الطاقي يتطلب، قبل كل شيء، حصيلة قابلة للقياس: ما الذي تحقق خلال الولاية الحكومية الحالية؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ وما الذي يجعل الالتزامات الجديدة قابلة للتنفيذ أكثر من سابقاتها؟.
وبينما تقول بنعلي إن “مصالح المملكة المغربية تأتي قبل أي شيء”، فإن المصلحة نفسها تقتضي، في نظر منتقدي السياسة الطاقية، توضيح الفارق بين ما يقدمه الحزب اليوم باعتباره “مفتاحا لتأمين طاقة المغرب”، وما كان متاحا له من أدوات ومسؤوليات خلال السنوات الماضية دون أن يرى هذا الإجراء النور.
وفي النهاية، لا يتعلق النقاش فقط بمصير “سامير”، بل بمدى قدرة البرامج الانتخابية على الانتقال من وعود تأمين الأمن الطاقي إلى سياسات عمومية فعلية، خصوصا عندما يكون الحزب صاحب الوعد نفسه قد امتلك خلال السنوات الماضية موقعا حكوميا يتيح له جزءا مهما من أدوات التنفيذ.

