القناة من الرباط
لم تكن الجولة التواصلية الأخيرة التي قادها رئيس الحكومة والقيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، بين مدينتي وجدة وأكادير مجرد تحرك حزبي ظرفي لتجديد الدماء وتعبئة القواعد التنظيمية، بل كانت تدشينا لمرحلة دقيقة في المشهد السياسي الوطني تتسم بالوضوح والنضج الديمقراطي المسؤول.
فيبن عاصمتي الشرق وسوس رسم عزيز أخنوش، ملامح خطاب سياسي جديد يراهن على المكاشفة الصريحة والمواجهة الفكرية والبرامجية، ويتجاوز القراءات النمطية التقليدية نحو تقديم حصيلة تدبيرية ملموسة تضع الشارع المغربي أمام تقييم موضوعي ومسؤول لمسار الإصلاحات التنموية الكبرى التي شهدتها البلاد منذ سنة 2021.
إذ تتأسس دينامية حزب “الحمامة” على رؤية سياسية عميقة تنطلق من قناعة راسخة عبر عنها أخنوش، مفادها أن العمل السياسي يفقد جوهره وغايته الاستراتيجية إذا لم يترجم فعليا إلى تغيير إيجابي يلمسه المواطن في معيشه اليومي وتفاصيل حياته.
ومن هذا المنطلق، تتبلور في الممارسة الحزبية للأحرار معالم شرعية سياسية جديدة أسس لها دستور سنة 2011؛ وهي شرعية لم تعد ترتكز على الشعارات الرنانة أو الخطابات الخطابية العاطفية، بل باتت تقاس بشرعية الإنجاز والمقدرة العملية على الاستجابة للانشغالات الحيوية للمغاربة، وفي مقدمتها إصلاح القطاعات الاجتماعية وتطوير خدمات الصحة والتعليم وتوفير فرص الشغل وترسيخ العدالة المجالية.
في هذا السياق، جاءت محطة وجدة لتقدم نموذجا للشجاعة السياسية من خلال طرح الحصيلة والبرنامج مبكرا أمام النقاش العمومي والمساءلة السياسية والشعبية، معززة بمؤشرات ماكرو-اقتصادية واجتماعية دالة وموثوقة. فقد عكس ارتفاع معدل النمو إلى 5,3 في المائة، وتراجع التضخم إلى 0,3 في المائة، ومضاعفة المداخيل الوطنية مرتين خلال خمس سنوات، النجاعة التدبيرية للحكومة وقدرتها التنفيذية على إدارة الأزمات وضمان الاستقرار الاقتصادي.
ولم يتوقف الأثر الاجتماعي عند حدود ضبط التوازنات المالية، بل امتد ليتوج بتجاوز التعهد الحكومي عبر خلق أكثر من مليون منصب شغل وتخفيض معدل البطالة إلى 9,5 في المائة، بالتوازي مع التنزيل الميداني لمدارس الريادة وتأهيل الأطر الطبية خدمة لمشروع الدولة الاجتماعية.
وعلى مستوى عاصمة سوس أكادير، تجسد هذا الحس السياسي من خلال الربط المباشر بين التخطيط الحكومي الشامل والعمل الترابي الميداني. فقد نجح عزيز أخنوش، من موقعه في التدبير الجماعي، في تحويل التوجيهات الملكية السامية لبرنامج التنمية الحضرية إلى واقع ملموس أخرج أكادير من حالة التهميش لتصبح قطبا حيويا وصلة وصل صلبة بين شمال المملكة وجنوبها.
ولم تكن هذه الدينامية مجرد أوراش متفرقة، بل صيغت ضمن رؤية مدمجة استهدفت رد الاعتبار للأحياء الهامشية بسفوح الجبال وتيكيوين وأنزا والعروض عبر ضخ ميزانيات ضخمة لتحديث البنيات التحتية وتوفير الخدمات والحدائق وتطوير العالم القروي بإداوتنان.
إن الرسالة السياسية البارزة التي حملتها جولة أخنوش تؤكد على انتقال نوعي نحو تعاقد سياسي جديد يضع المساءلة وحسن التدبير فوق كل اعتبار؛ فالاستحقاقات المقبلة ليست سباقا مجردا نحو المقاعد أو صراعا حول الفضاء العمومي، بل هي امتحان حقيقي لمدى القدرة على الوفاء بالالتزامات الصريحة.
وفي ظل هذه التحولات الوطنية، يظل العمل الميداني الموصول والصدق في التعاطي مع تطلعات المواطنين هما المدخل الرئيس لإعادة الهيبة للفعل الحزبي وبناء الثقة المستدامة بين المؤسسات السياسية والمواطن.

