القناة من الرباط
ماذا يريد بنكيران من المغرب وشعبه حتى يصل به الحال إلى أن يكشف بشكل فاضح وبكل أريحية عن حقيقة مواقفه الدفينة التي يكنها ككل إسلاميّ يظهر للناس أنه إنسان مصلح وديع ولطيف يحب الخير للجميع، في حين أنه ليس سوى إسلاميا إخوانيّا طامعاً في ‘خلافة’ ينقلب بها على الحكام وحالماً في أن يملك زمام الحكم تحت مسمى ‘الشريعة’ يقطع بها الأيادي ويجز بها الرقاب ويسبي بإسمها كل نساء العالم قاصراتها وعجائزها.
بنكيران يختنق الآن، مخنوق بعدما أحس بعزلته السياسية والاجتماعية وحتى الحزبية، بلغ درجة اكتئاب جعله يكشف مخططه الدفين الذي نسجه منذ عقود حين تزعم تنظيم ‘الشبيبة الإسلامية’ المتطرف والانقلابي أواخر سبعينيات القرن الماضي وتورط وقتها في اغتيال عمر بنجلون، وثم ‘الجماعة الإسلامية’ الأصولية وصولا لحركة التوحيد والإصلاح التي تتظاهر بالاعتدال.. وكلها جماعات وتنظيمات إسلاموية اختلفت مسمياتها وشعاراتها التي تدرجت وتغيرت حسب كل مرحلة بهدف تكتيكي، لكن أدبياتها الأساسية لم تتغير بدءً من قاعدة ‘من الدعوة إلى الدولة’ ومرورا من مخطط ‘الفرد والأسرة فالمجتمع ثم الحاكم’.
بنكيران الذي تحدث أول أمس أمام أعضاء من حزب ‘البيجيدي’ في لقاء داخلي بمراكش وبثته صفحته بموقع فيسبوك بتقنية ‘اللايف’، ظهر على حقيقته، بل ومعها حقيقة ما يسمى في العصر الحديث بالجماعات الإسلامية، التي سقطت آخر قلاعها في مصر مع حكم الراحل محمد مرسي.
زعيم ‘إخوان المغرب’ موجوع وهو يتحدث بنفسية الإنسان المقهور، بل الاسلامي المهزوم الذي يفكر في الانتقام و’الجهاد’ دفعا للبلاء و’نصرة للحق على الباطل’ كما في أدبياتهم، بنكيران بلغ هذه النفسية الحرجة والمهزوزة لأنه لم يستطع أن يتحمل صفة ستظل تلازمه كوصمة عار: رئيس الحكومة السابق والمعزول من طرف الملك عد فشله في تشكيل الحكومة، والمطرود من أتباعه الذين انقلبوا عليه في مناسبتين تنظيميتين متتابعتين بعد فقدانه لمنصب رئاسة الحكومة حيث كان وقتها طامعا، وضدا على قوانين ‘العدالة والتنمية’ الداخلية التي كان يتغنى بديمقراطيتها، في ولاية ثالثة على رأس الحزب وأيضا في تزعم ذراعه الدعوي حركة التوحيد والإصلاح.
لنعد إلى ما قاله بنكيران ضمن لغو طويل استمر لنحو ساعة وربع يشبه حديث الجدات للأحفاد، تابعوا معنا هذه اللقطات ولنحكم سويا بعدها ونكتشف معا عقلية الإسلاميين أينما كانوا. قال بنكيران: ‘من حق المغاربة أن لا تعجبهم سياسة الملك محمد السادس.. فلا يمكنه (أي الملك) أن يقول بأن ما أفعله يجب أن يعجبكم’، مضيفا: ‘الملك ليس ملكا ولا نبيا بل هو إنسان.. 20 سنة من حكمه كان فيها أخطاء.. ولسنا مضطرين أن نقول بأن كل شيء يعجبنا’.
الجملة المفصلية في هذا الكلام الخطير حين سيحذر بنكيران أتباعه ‘الإخوان’ مما لمح على أنها مؤامرة ضدهم، وفق مخيلته، وأنهم يواجهون ما نعته بـ’الخطاب التخويفي والترهيبي والإرهابي الذي يرعب به أبناء حزبنا أو حركتنا’، ولا ندري هنا من هذا الذي يرعب بنكيران وحزبه ولماذا!؟، ليضيف: ‘نحن لا نبحث عن المشاكل، ولا نريد السجون والمشانق.. إذا اقتضى الأمر أن نضحي كما ضحى دعاذة الإصلاح عبر التاريخ فسنفعل.. فالأنبياء من قبلنا قد قتلوا.. ولا يمكن أن نصبح جبناء.. عيب وعار أن نبقى هكذا’.
هل أحس بنكيران أنه في خطر؟!، إن كان كذلك، يجب أن يخبرنا من الذي يهدده ولأي سبب، ولماذ يوهم بنكيران الجميع خاصة من المؤلفة قلوبهم أن الخطر قادم من الأعلى وأنه مهم لاستقرار المملكة.. ولماذا يقحم بنكيران أوضاع تنظيمه الإسلامي ضمن هموم المغاربة، لماذا يستعطف بنكيران المواطن البسيط بإسم الدين، ألا يعلم أن هذا الخطاب الإيديولوجي والتنويمي لم يعد مجديا معنا وأن هذا الرأسمال الإخلاقي والإنساني أفلس منذ زمن، ليس هنا فقط في المغرب بل على امتداد الجغرافيا العربية والإسلامية.
يريد بنكيران أن يخبرنا أنه مثل الأنبياء الذين حملهم الله رسالة يجب تبليغها للناس حتى ولو أريقت لأجلها الدماء.. ألا يعلم بنكيران أن آخر نبي هو محمد وقد توفي قبل 14 قرناً؟! ثم ألا يريد الإسلاميون أن يفهموا أن وهم الخلافة أو الدولة الدينية قد ولّى وأن الدولة المدنية الحديثة هي أساس كل مجتمع متقدم أو يريد التقدم..
الحقيقة أن بنكيران كشف للرأي العام عن حقيقته وحقيقة تنظيمه الإسلامي، حقيقة خطاب لا يختلف عن خطاباته وقت ثمانينيات القرن الماضي حين كان، وباعترافه، يحرض ضد نظام الحسن الثاني لدرجة التفكير في الانقلاب عليه وفي اغتيال رموز سياسية يسارية، كما كان الشأن مع عمر بنجلون، وذلك من منطلق إسلامي راديكالي صرف ينهل من أفكار ثورة الخميني وقتها في إيران وسيد القطب الإخواني في مصر، وهي الأفكار التي تحرض على مواجهة كل حاكم ورئيس ومسؤول لا يحكم بشرع الله رافعين سيف: ‘إن الحكم إلا لله’ و’من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون’.
الحقيقة أن بنكيران لم ولن يقترب الخطر من ناحيته، لأنه أصلا لا يشكل وحزبه أي أهمية للمغرب والمغاربة، فتاريخه في الحكومة منذ 2012 أكبر دليل والجميع يعرف ما فعلة بنكيران من سياسات تفقيرية وإجهاز على مكتسبات مختلف طبقات المجتمع المغربي.. الخطر الذي يستشعره بنكيران هو أن أحس بالملموس أن مشروعه الإسلاموي فشل أمام سلطة ملكية قوية ومتماسكة ومتجذرة في التربة المغربية منذ قرون خلت وما زالت.
بنكيران يرقص دوماً على معزوفة الملكية والمظلومية ونظرية المؤامرة للدفاع عن نفسه وتحسين صورته التي تآكلت حين ترك الإخوان مشروع الدعوة وارتموا في حضن السلطة والمناصب وحب الكراسي. وليس من الغريب أن يخرج قبل أسابيع ليشتم في أعضاء لجنة النموذج التنموي، التي عينها الملك وبارك أعضاءها ووصفهم بالكفاءات العالية، ويقلل من أهميتها بقوله زورا إنها تضم أشخاصا يعادون الإسلام والأخلاق!!. وذلك قول زور وبهتان لم يأت من فراغ بل لأن بنكيران أحس بخيبة قاتلة وغبن قاسٍ لتجاهله من طرف الملك وعدم استدعاءه كعضو ضمن فريق شكيب بنموسى، بعدما كان يمني نفسه الأمارة بالسوء بمنصب عالي في مؤسسة عمومية أو استشارية كما روج لذلك مريدوه.
الآن يساوم بنكيران السلطة بالاستعداد لدخول للسجون والمشانق أو خلق الفتنة مقابل السطو على الحكم.. هكذا يريد بنكيران ويقولها علانية، معتقدا ومصدقا قول من قال لهم يوما إنه ‘زعيم أممي’ و’سياسي شعبوي’ لن يعيد التاريخ نسخة منه، أو حتى حين صدقوا أنهم سيستنسخون تجربة أردوغان التركية في المغرب.. في أحلامكم.
الذي لا يعلمه بنكيران وأتباعه في ‘العدالة والتنمية’ و’التوحيد والإصلاح’ هو أن المواطن المغربي فقد ثقته في شيء يسمى ‘إسلامي’ وما جانبه من صفات كالداعية والشيخ والراقي والأخ والأخت الخ الخ.. لأن 09 سنوات بعد ربيع الانتفاضات في المنطقة العربية كانت كافية لتُسقِط ورقة التوت عن الإسلاميين وتظهر عورتهم جلية..
فالمواطن يعرف أنكم مخادعون تتاجرون بالدين ووصوليون ‘مصلحجيون’ هدفكم بلوغ المناصب والكراسي، أنكم منافقون لأنكم تدّعون الفضيلة بينما سقطت قياداتكم في فضائح أخلاقية وجنسية سجلت بمداد العار في كتاب التاريخ المعاصر..
بنكيران يرقص شطحة الديك المذبوح الذي يصارع ذبحته وموته، شطحة على إيقاع الحسرة على موت مشروع الإسلاميين ودفنه في مقبرة تربتها مغربية خالصة.. بنكيران ‘الديك’، الذي حصل على سيارة الملك كهدية وريع تقاعدي سمين ومريح، يلفظ أنفاسه السياسية والاجتماعية الأخيرة.. واش فهمتوني ولا لا!!

