القناة: متابعة
حوار مع المنشد هشام دينار
حاوره: أسامة العوامي التيوى
ـ متى كانت أولى البدايات في عالم السماع والمديح ؟
كانت أولى بداياتي في عالم المديح والسماع برحاب الزوايا الصوفية بمدينة الصويرة، حيث كنت أحضر باستمرار لكل الجلسات اليومية والأسبوعية التي كانت تقام آنذاك بجل الزوايا بالمدينة والتي تتلى خلالها أمداح نبوية وإنشاد قصيدتي البردة والهمزية بالصيغة المغربية الأصيلة وكذا تلاوة كتاب دلائل الخيرات وكان عمري آنذاك لا يتعدى الخمس سنوات ، كما التحقت منذ نعومة أظافري بالمعهد الجماعي للموسيقى ، وعند بلوغي سن السادسة عشر من عمري قررت أن أبدأ جولات لطلب العلم والبحث عن الصنائع والذخائر التي يمتاز بها فن المديح والسماع ، فبدأت أجوب كل مناطق المغرب فكان لي شرف ملاقات عدة شيوخ من أرباب هذا الفن فأخذت بالنهل من ينابيعه مباشرة وأذكر على سبيل المثال شيخي وقدوتي المرحوم بكرم الله الشريف مولاي عبد الغني الكتاني وكذا شيخي المرحوم بكرم الله الحاج عبد المجيد الصويري الذي افتقدناه خلال الأيام القليلة الماضية وكذلك الشيخ الحاج علي الرباحي والحاج محمد عز الدين والحاج محمد بنيس حفظهم الله ، وفي سنة 2012 قمت بمعية مجموعة من الشباب الولوع تأسيس جمعية أطلقت عليها إسم “جمعية شباب الفن الأصيل” ثم بدأنا الإشتغال على الحفاظ على فني السماع والمديح ونشرها وتلقينها للناشئة والشباب فضلا عن المشاركة في عدة مهرجانات وملتقيات بكافة ربوع الوطن وسهرات وتسجيلات ولقاءات بمختلف المحطات الإذاعية و القنوات التلفزية.
ـ حاولت المزج بين المقامات الشرقية والطبوع والنوبات الأندلسية، أين يجد هشام نفسه؟
كما هو معلوم أن الموسيقى الأندلسية واحدة من الإمدادات والروافد التي تفرعت من الموسيقى العربية بمفهومها العام ، فالمزج ما بين المقامات الشرقية والطبوع والنوبات الأندلسية شيء معلوم ومتداول في أوساط مولعي وممارسي هذه الفنون خصوصا من خلال الموال الشرقي الذي أصبح يستعمل كثيرا بمقامات شرقية لكن يبقى له نفس الطابع والشكل من حيث الصوت الإنسيابي للموال المغربي ، إلا أنني أفضل عدم إقحام طبوع ومقامات شرقية في موسيقانا العريقة والغنية، حتى لا تذوب حضارتنا وتنصهر في حضارات أخرى بدعوى التغيير والتجديد والإنفتاح ، وأجد نفسي في الطابع المغربي الأصيل الذي يحتل مكانة خاصة في التراث المغربي ويحظى باحترام كبير لدى المغاربة لامتزاجه (دون أنواع الموسيقى الأخرى) أي الطابع الديني بالطابع الفني ليعطي أنغاما خاصة.
ـ بحكم انتمائكم لمدينة الصويرة المعروفة بالتلاقح بين المكون العربي والأمازيغي والعبري الذي يجسده اليهود المغاربة، هل تستطيع الموسيقى الروحية أن تجسد لوعة الانتماء لكافة مكونات المجتمع الصويري بما فيهم العبري عبر “طبع الشكوري” ؟
بالطبع، فبالمقارنة مع مجموعة من المدن الأخرى تنفرد مدينة الصويرة بميزة خاصة وهي التعايش والتلاقح بين مجموعة من المكونات منها العربي والأمازيغي والعبري، فالتعدد الثقافي والإثني والعرقي الذي يميز هذه المدينة يتجسد على أرض الواقع من الناحية الموسيقية بتعدد الأجناس الموسيقية، فنجد مجموعة من الألوان والأنماط التي لها تأثيرات ثقافية مرتبطة بهذه الأجناس وبالتالي فالإرث الحضاري والتاريخي لمدينة الصويرة ينعكس بشكل جلي في الموسيقى ويتضح من خلال هذا التعدد ، فلطالما كانت الموسيقى هي التي تعبر عن تعدد الأجناس البشرية وبمثابة سفير للشعوب والثقافات ليس بمدينة الصويرة فحسب ولكن في كافة بلدان العالم ، وإذا تكلمنا عن مدينة الصويرة فنجد أن هذا البعد الثقافي والحضاري يتجسد بها لدرجة أنه يمكننا أن نؤرخ لجانب مهم من تاريخ المدينة عن طريق الموسيقى التي لن تبقى أداة فرضية فقط بقدر أنها تستطيع أن تصبح أداة للمساهمة في التأريخ للمدينة، فالموسيقى عامة والروحية منها خاصة تعتبر لغة مشتركة بين مجموعة من المكونات منها العربي والأمازيغي وكذلك العبري لما لها (أي الموسيقى الروحية) من مساهمة قيمة في كبح جماح التشدد والتطرف الديني ونشر قيم المحبة والتعايش والسلام والجمع بين عدة ثقافات لتعيش في إطار روحاني وتأملي تقرب محبيها من جوهر الأديان المتمثل في سمو الأخلاق وقيم التسامح وقبول المختلف بعيدا عن أي انحرافات عقائدية ، وبالتالي فهذه الموسيقى النبيلة يمكنها تجسيد لوعة الإنتماء لكافة مكونات المجتمع بما فيهم العبري والعربي والأمازيغي.
ـ تشغل مسؤولية مقدم الزاوية القادرية، هل تجد أن الإنتماء لزاوية صوفية مسألة أساسية لكل ممتهني السماع، أم يمكن للمعاهد الموسيقية أن تخرج لنا منشدين؟
هي أن الزوايا الصوفية عبارة عن مدارس خاصة لتلقين علوم فن المديح والسماع ويرجع لها الفضل الكبير في صيانته والمحافظة عليه ونقله إلى الشباب والناشئة وفق أصوله ومقتضياته، وهذا ما دأبنا على القيام به منذ تولينا مهمة الإشراف على الزاوية القادرية بالصويرة حيث أننا أخذنا على عاتقنا تلقين مبادئ المديح والسماع للشباب والأطفال وفق أصوله الأخلاقية والأدبية والطربية حيث أنه يتردد على الزاوية أكثر من ستين من الأطفال والشباب بشكل يومي وهذا ماجعل هذا الفن يحتل موقعه ووظيفته الطبيعية داخل النسق الصوفي بالزاوية، فالإنتماء لإحدى الزوايا مسألة أساسية وضرورة حتمية لكل ممارس لهذا الفن، فلا مجال للمقارنة بين منشدين ومسمعين ترعرعوا وتربو داخل الزاوية وآخرين تعلمو عن طريق الإستماع للأشرطة والتسجيلات الصوتية ، أما في ما يخص مسألة المعاهد الموسيقية فهي تأتي كمرحلة تكميلية بعد تخرج المنشد من الزاوية ومعرفته التامة بمبادئ هذا الفن ، وتدخلها في الوقت الراهن هو ضرورة ملحة لكي يتم ضبط أسسه العلمية الموسيقية وتوثيق مثونه وتجديد آفاقه الشعرية والإيقاعية وفق مناهج ومقررات علمية حديثة.
كلمة أخيرة للجمهور.
أود أن أشكركم على الإستضافة الكريمة وعلى هذه الإلتفاتة الكريمة لنمط موسيقي يعاني من الإندثار والضياع وبهذه المناسبة أدعو القراء الأعزاء إلى الإهتمام بهذه الفنون الأصيلة والنبيلة باعتبارها رافدا من روافد ثقافتنا وهويتنا المغربية وذلك بتشجيع أبنائهم على التعاطي لها لأن البركة في الخلف ، وفي الأخير أقول لكم رمضان كريم وأهل الله عليكم هذا الشهر الفضيل وعلى مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين باليمن والبركات وعلى ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة بالخير والبشر وعلى الشعب المغربي والأمة الإسلامية جمعاء بالأمن والهناء والرقي والإزدهار ، إنه سميع مجيب.

