القناة : أسامة العوامي التيوى
على مدى 107 دقيقة، تناول المخرج عزيز السالمي موضوع اختطاف مغاربة وتعذيبهم وإهانتهم على مدى ثلاثة عقود في معتقل تندوف، لشريط سينمائي ضمن ” ضمن لائحة الأفلام الطويلة المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة الحالية للمهرجان الوطني للفيلم التي ينظمها المركز السينمائي المغربي تحت الرعاية الملكية السامية.
ويروي الفيلم، الذي استند إلى وقائع حقيقية، قصة نجاح مجموعة من هؤلاء المغاربة في الفرار من المعتقل قبل أن يكتشفوا واقعا اجتماعيا جديدا مختلفا عما احتفظوا به في ذاكرتهم.
وتحضر المعاناة بكل ثقلها في كوابيسهم وهواجسهم إلى أن تتغير مصائرهم وسبل حياتهم، وبالرغم مما عانوه على أيدي الجلادين من عذاب واكتوائهم بنار الامتهان يظل العفو عن الجلادين التائبين السمة الغالبة حتى لدى أكثر هؤلاء الفارين من جحيم تندوف صلابة وإصرارا على الانتقام متى سنحت الفرصة.
“القناة” تحاور مخرج الفيلم عزيز السالمي.
س : في أي خانة يمكن تصنيف شريط “دموع الرمال” هل كفيلم روائي أو وثائقي؟
ج: هو شريط روائي، لإنه لا يشمل مواصفات الشريط الوثائقي وخصوصا الأرشيف وصوت الحاكي والشهادات الحية، لكني وضفت مشهدا قبل الجنيريك لأضع المتلقي أمام الموضوع العام للشريط، وهو شريط إنساني أكثر منه سياسي، ولو أني مخرج من بلد آخر، لناقشت موضوع المعتقلين السريين وضياع الهوية بعد سنوات في السجن.
الفرق الوحيد بين جميع السجون في العالم والرهائن المحتجزين في تندوف، أنهم قد اختطفوا ولا أحد يعلم مكان تواجدهم، ولم يعرف حقيقة وجود المدنيين داخل تندوف سولى سنة 1991 أي بعد دخول المنظمات الإنسانية الدولية على الخط.
وكان من السهل معرفة هوية الجنود عكس المدنيين اللذين لم يعرف أحد سبب إحتجازهم، فمنهم من اعتقل من داخل الحافلات والبواخر بالدخلة، وبل ومن عرس بمنطقة امحاميد حيث اختطف العروسان والعائلة والمدعون، ولذلك كتبت في الشريط مقولة ” لاذنب لهم سوى أنهم مغاربة”، وكان من الممكن أن يقع في المشكل أي مغربي.
س : معروف أن منطقة الصحراء منطقة جافة، لكن حينما تسقى بالدموع ويصير عنوان شريطك “دموع الرمال” تجد نوعا من السيميائية الغريبة في العنوان، كيف اخترتم هذا العنوان؟
ج: بالفعل، حينما تنتج عملا إبداعيا سواء شريط سينمائي او رواية تكون قد خططت لعدد من الأمور لكن حينما تضعها للمتلقي يهرب الجميع، وحينما يوضع العمل للجمهور، تتعدد القراءات ويصير العمل محط قراءات مختلفة بخلفيات متعددة، وهو ما يجعل العمل السينمائي عملا للجميع، قد تتقاطع وجهات النظر وقد تختلف.
س: ما الفرق بين ردود أفعال الجمهور في العرض ما قبل الأول، وبين العرض خلال المهرجان؟
ج: في الحقيقة العرض ما قبل الأول، غالبا ما يكون للأصدقاء والأحباء وهؤلاء يحضرون غالبا للمساندة لا للنقد، ولا يمكن الإدلاء بوجهة النظر بكل صدق، وصراحة لا آخذ جميع الآراء بصدق خلال العرض ما قبل الأول، لكن خلال المهرجان يصبح الأمر شيئا آخر، حيث يعرض الشريط للجنة وللنقاد وجمهور يضم 80 في المائة من المهنيين في مجال السينما، وخلال الأسبوع من الإقامة خلال المهرجان تصلك ردود الأفعال الحقيقية للجمهور.
س : هل ترشح شريطكم للظفر بجائزة خلال المهرجان، وأية جائزة ؟
ج: وجب علي مشاهدة جميع الأفلام لأستطيع تقديم وجهة نظر، وبما أن الأفلام تخضع للمسابقة والتنافس، فطبيعة الحال أطمح للطفر بجائزة معينة من الجوائز المقدمة، لكن السؤال المطروح هل أنا محتاج لتلك الجائزة أم انها قيمة مضافة للفيلم.
وأي جائزة حصلت عليها فهي فضل، لكني لا أخرج الأفلام بغية الظفر بالجوائز، لكن أخرج الأفلام للجمهور وهو ما ينقصنا في القاعات السينمائية، لأني إن فزت بجائزة ولا لم يحضر أحد لشريطي في القاعة السينمائية فلا فوز قد تحقق، ويبقى السؤال الذي يواجهننا كمبدعين هل نطمح للبحث عن صيغة للجوائز أم نقدم منتوجا يعيد الجمهور للقاعة السينمائية.

س : يلاحظ نوع من الغياب على مستوى عطائكم في مجال الإخراج، فمنذ شريط حجاب الحب سنة 2009 لم نشاهد شريطا سينمائيا لعزيز السالميّ، ما سبب هذا الغياب؟
ج: بصراحة، بعض اللجن التي قدمت لها أعمالي الفنية يمكن وصفها “بالغباء” لدرجة ما أن إحدى اللجن بالرغم من اقتناعها بجودة السيناريو بشهادة بعض المخرجين لم تؤشر على العمل لأنه يتحدث عن موضوع خارج المغرب، وكان الجواب إن أردت الدعم اطلب الدعم من الدولة التي يتمحور حولها الفيلم.
وفي المرة الثانية، تفاجئت برد اللجنة والذي كان محوره ان “الموضوع لا يتماشى مع واقع المغرب” كأن هناك واقع مغربي معين يجب أقلمة جميع السيناريوهات حتى تنال دعم اللجنة المعنية، وفي حال الخروج عن هذا الواقع تمارس نوع من الرقابة وهذا ليس من اختصاص لجنة السيناريو.
وحينما يرفض العمل، يأخذ المبدع وقتا للتفكير في قصة أخرى علما أن اللجنة تغير على كل سنتين ما يجعل عنصر الإبداع شيء صعب.
س: هل تعتبرون أن شريط “دموع الرمال” يعد جبر ضرر رمزي للمحتجزين؟
ج: أنا متيقن من أن الشريط هو رد الاعتبار للأشخاص الذين تعرفت عليهم من العائدين، وهو رسالة مكتوبة سمعية بصرية تحمل في طياتها صوت وصورة وملامح وحركة وأحاسيس، خلق نوع من الاعتراف والتقدير للأشخاص العائدين، وهو ما جعل عبد الله اليماني أحد العائدين حاضر معنا في التصوير والعرض بل ويتأثر ببعض المشاهد والمقاطع.
س: مقاطعا، هل ترجمت أجواء التصوير بحمولاتها الانسانية والوطنية لمشاهد سينمائية؟
ج: لا يمكنني أن أكون موضوعيا، وتأثرت بعض المرات ببعض المشاهد وفي مشهد عودة العائلات تحول بلاطو التصوير إلى مأتم بعدما تأثر جل العاملين بالمشهد ما جعلنا نتوقف لإعادة العمل.
وأصدقك القول، حينما عرض الفيلم لأول مرة وشاهدت تأثر ودموع الحاضرين أيقينت أن هذا الشريط يستحق المشاهدة، وأني أكملت رسالتي.

