القناة – محمد بودويرة
كشف وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن المغرب كان على دراية مسبقة بتوجه روسيا نحو استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية داخل مجلس الأمن، مؤكدا أن الرباط لم تسعى إلى تغيير الموقف الروسي، بل تعاملت مع التطور باعتباره فرصة لإعادة تقييم الإطار الأممي الذي ظل يؤطر النزاع على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
وأوضح بوريطة، خلال مقابلة خاصة بثتها القناة الثانية “دوزيم”، مساء أمس السبت، أن المغرب توصل، قبل أيام من التصويت، بمؤشرات واضحة بشأن الموقف الروسي، مضيفا أن اتصالات دبلوماسية جرت بين الرباط وموسكو، من بينها لقاء جمعه بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بتوجيهات من الملك محمد السادس.
وشدد المسؤول الحكومي على أن تلك الاتصالات لم تكن ترمي إلى دفع موسكو للتراجع عن قرارها، موضحا أن المغرب كان أمام خيارين: العمل على صيغة توافقية تسمح بتمرير المشروع الأمريكي بعد إدخال تعديلات عليه، أو اعتبار تعثر التصويت مناسبة للانتقال إلى مرحلة جديدة وإعادة النظر في الآليات الأممية المعتمدة.
وأضاف أن الرباط فضلت الخيار الثاني، انطلاقا من قناعتها بأن الإطار الذي ظل يدبر النزاع لم يعد مواكبا للتحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدها الملف خلال السنوات الماضية.
وجاءت تصريحات بوريطة عقب استخدام روسيا، الجمعة الماضي، حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، الذي حظي بتأييد 11 عضوا في مجلس الأمن، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، في حين لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده.
وأفضى تعثر المشروعين إلى عدم صدور قرار جديد بشأن تمديد ولاية بعثة (المينورسو)، التي انتهت مهمتها أمس السبت، في تطور غير مسبوق منذ تأسيسها سنة 1991.
انتهاء ولاية المينورسو يفتح النقاش حول مستقبل البعثة
واعتبر بوريطة أن انتهاء ولاية المينورسو يستدعي مراجعة شاملة لطبيعة حضورها ومهامها، مذكرا بأن إنشاء البعثة قبل 35 عاما ارتبط بمهمة تنظيم استفتاء لتقرير المصير، في سياق سياسي يختلف، بحسب تقديره، عن واقع النزاع الحالي.
وتساءل الوزير عن مبررات الإبقاء على بعثة لا يزال اسمها مرتبطا بتنظيم الاستفتاء، في وقت تغيرت فيه المعطيات السياسية والمقاربات المطروحة لتسوية النزاع، معتبرا أن المرحلة الراهنة تفرض التفكير في صيغة جديدة للتعاون مع الأمم المتحدة.
وبخصوص مصير موظفي البعثة ومعداتها، أكد بوريطة أن المغرب لا يتجه إلى اتخاذ إجراءات فورية لطرد العاملين الأمميين، موضحا أن الرباط ستوفر الظروف والتسهيلات الضرورية لتنظيم عملية مغادرة تدريجية تشمل الموظفين والمركبات والتجهيزات والرموز التابعة للمينورسو.
ويأتي هذا التوضيح في أعقاب بلاغ للديوان الملكي، صدر بعد التصويت بمجلس الأمن، وأشار إلى أن انتهاء ولاية البعثة يستوجب إنهاء وجودها في الصحراء خلال الأيام المقبلة.
وأكد بوريطة أن العملية ستتم وفق ترتيبات منسقة تضمن احترام كرامة العاملين الأمميين، وتسهل نقل المعدات بصورة منظمة، بعيدا عن أي إجراءات تصعيدية.
وفي المقابل، شدد على أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني تخلي المغرب عن التزاماته المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، مؤكدا استمرار الرباط في احترام مقتضياته.
واستحضر الوزير إعلان جبهة البوليساريو، في نونبر 2020، عقب أحداث الكركرات، تنصلها من الالتزام بوقف إطلاق النار، معتبرا أن هذا الموقف يطرح تساؤلات حول جدوى استمرار آليات المراقبة العسكرية التي كانت البعثة تضطلع بها.
الرباط تدعو إلى إعادة تحديد قواعد المسار السياسي
وعلى مستوى مستقبل الملف داخل الأمم المتحدة، دعا بوريطة إلى مراجعة آليات متابعة النزاع، بما فيها الاجتماعات الدورية والتقارير المرتبطة بتجديد ولاية المينورسو، معتبرا أن استمرار هذه الإجراءات دون تحقيق اختراق سياسي ملموس لم يعد يحقق النتائج المرجوة.
وأوضح أن المغرب لا يرفض التعاون مع المنظمة الدولية، لكنه يدعو إلى توجيه هذا التعاون نحو تحقيق تقدم فعلي، عوض الاكتفاء باجتماعات متكررة ومشاورات لا تفضي إلى تسوية.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديدا واضحا لأسس المفاوضات والأطراف المعنية بها والإطار الذي ستتم داخله، معتبرا أن الغموض الذي طبع بعض محطات العملية السياسية ساهم في إطالة أمد النزاع.
وجدد رئيس الدبلوماسية المغربية التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، تظل المرجعية الأساسية للموقف المغربي، مشيرا إلى أن الرباط تعمل على إعداد نسخة محينة ومتطورة من المبادرة، بما يعزز مقوماتها كأرضية للتفاوض.
وأضاف أن المغرب يعتبر أن أي مسار تفاوضي مستقبلي ينبغي أن يستند إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ضمن إطار واضح ومحدد.
وبشأن احتمال استمرار رفض الجزائر والبوليساريو للمقترح المغربي، أكد بوريطة أن المغرب سيواصل تنفيذ برامجه التنموية ومشاريعه الاستثمارية في الأقاليم الجنوبية، دون ربط ذلك بمآل الخلاف السياسي، داعيا إلى إزالة العراقيل التي تحول دون التوصل إلى حل.
كما تطرق إلى إمكانية توظيف مواقف الدول المؤيدة للمبادرة المغربية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة واللجنة الرابعة المكلفة بقضايا تصفية الاستعمار، باعتبارهما فضاءين لا يخضعان لنظام حق النقض المعمول به داخل مجلس الأمن.
وفي هذا الصدد، ميز الوزير بين التحركات الدبلوماسية داخل اللجنة الرابعة وبين مسألة حذف الصحراء المغربية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، موضحا أن هذه الأخيرة تخضع لمسار إجرائي مستقل.
وفي جميع الأحوال، تبقى القرارات المتعلقة بجدول أعمال مجلس الأمن وآليات تعامله مع النزاع من اختصاص المؤسسات الأممية، ولا يؤدي انتهاء ولاية المينورسو تلقائيا إلى إغلاق الملف داخل الأمم المتحدة.
بوريطة يحمل الجزائر مسؤولية تعثر تمديد ولاية البعثة
وفي جانب آخر من الحوار، وجه بوريطة انتقادات مباشرة إلى الجزائر، محملا إياها مسؤولية سياسية عن التطورات التي انتهت إلى عدم تمديد ولاية المينورسو، وما قد يترتب عن ذلك من تعطيل لبعض آليات المتابعة الأممية.
واعتبر أن المسؤولية عن هذه النتيجة تقع، وفق قراءة المغرب، على الأطراف التي ساهمت في الدفع نحو استخدام الفيتو أو استفادت من تداعياته، متهما بعض الجهات بالتعامل مع العملية السياسية باعتبارها وسيلة لإدامة النزاع بدل البحث عن تسوية نهائية.
وفي تعليقه على بيان الخارجية الجزائرية بشأن نتائج التصويت، أشار بوريطة إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر سنة 2025، لا يزال قائما، منتقدا موقف الجزائر التي لم تصوت لصالحه خلال عضويتها بالمجلس، قبل أن تستند إليه لاحقا في مواقفها الدبلوماسية.
كما اعتبر أن إبداء الأسف لعدم اعتماد قرار جديد لا يلغي مسؤولية الأطراف عن المواقف التي اتخذتها خلال عملية التصويت.
وانتقد الوزير ما وصفه باحتفاء بعض وسائل الإعلام الجزائرية باستخدام روسيا حق النقض، مشيرا إلى أن المشروع الأمريكي كان يتضمن مقتضيات اعتبرها المغرب منسجمة مع مقاربته للحل، خلافا للقراءات التي قدمت نتيجة التصويت باعتبارها مكسبا للجزائر.
ودعا بوريطة الجزائر إلى التعاطي مع التطورات الإقليمية والدولية بقدر أكبر من الوضوح والواقعية، والابتعاد عما وصفه بالمناورات الدبلوماسية.
ورغم حدة الانتقادات الموجهة إلى الجزائر، حرص الوزير على عدم تحميل روسيا مباشرة المسؤولية السياسية عن مستقبل المينورسو، رغم أن استخدامها الفيتو حال دون اعتماد المشروع الأمريكي.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المينورسو كانت البعثة الوحيدة ضمن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي يرأسها مسؤول روسي، ويتعلق الأمر بألكسندر إيفانكو، معتبرا أن استخدام موسكو حق النقض أفضى عمليا إلى انتهاء ولاية بعثة يقودها أحد مواطنيها.
تحولات في المواقف الدولية ومواصلة الترويج لمبادرة الحكم الذاتي
وتوقف بوريطة عند التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول تجاه قضية الصحراء، مبرزا أن الدبلوماسية المغربية عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع دائرة التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، بالتوازي مع استمرار المسار الأممي.
واستحضر في هذا الإطار اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، إلى جانب المواقف التي أعلنتها إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، فضلا عن افتتاح مجموعة من الدول الإفريقية والعربية قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة.
واعتبر أن هذه الخطوات تعكس انتقال المواقف الدولية، من مجرد التعبير عن الدعم الدبلوماسي إلى اتخاذ إجراءات عملية، مؤكدا أن المغرب سيواصل تعزيز هذه الدينامية على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية.
كما ربط الوزير اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر 2025 بالتحركات الدبلوماسية التي قادها المغرب، مشيرا إلى أن عدم التوصل إلى قرار جديد سنة 2026 لا يلغي المواقف التي سبق أن أعلنتها الدول الداعمة للمبادرة المغربية.
وربط بوريطة كذلك بين المسار الدبلوماسي والمشاريع الاقتصادية والتنموية المنجزة في الأقاليم الجنوبية، معتبرا أن الاستثمار في البنيات التحتية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية يشكلان جزءا أساسيا من المقاربة المغربية تجاه المنطقة.
وكشف أن الرباط كانت مستعدة مسبقا للتعامل مع مختلف السيناريوهات التي قد تسفر عنها جلسة مجلس الأمن، سواء تعلق الأمر بتمرير المشروع الأمريكي وما قد يصاحبه من تعديلات على الإطار الأممي، أو سقوطه نتيجة الفيتو الروسي وما يترتب عنه من انتهاء ولاية المينورسو.
واعتبر أن كلا الاحتمالين كان يتيح للمغرب الانتقال إلى مرحلة جديدة، إما من خلال إعادة صياغة الإطار الأممي القائم، أو عبر فتح نقاش جديد بشأن مستقبله بعد انتهاء مهمة البعثة.
وفي هذا السياق، أوضح أن بلاغ الديوان الملكي الذي صدر عقب التصويت بوقت وجيز لم يكن ردا ارتجاليا على نتيجة الجلسة، بل جاء في إطار استعداد مسبق لمختلف الاحتمالات المطروحة.
ويأتي حوار بوريطة في ظرفية دقيقة يدخل فيها نزاع الصحراء مرحلة جديدة من عدم اليقين، خصوصا فيما يتعلق بمستقبل الوجود الأممي وآليات مراقبة وقف إطلاق النار، عقب تعذر تمديد ولاية بعثة المينورسو التي استمرت في أداء مهامها منذ سنة 1991.
وبين تباين مواقف الأطراف المعنية وتعثر التوافق داخل مجلس الأمن، يظل مستقبل العملية السياسية مرتبطا بالتطورات الدبلوماسية المقبلة وبالقرارات التي ستتخذها المؤسسات الأممية بشأن آليات مواصلة معالجة النزاع المفتعل.

