القناة – محمد أيت بو
قدمت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام أعضاء مجلسي البرلمان، البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، متعهدة بإطلاق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، تشمل رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتعزيز التشغيل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب استهداف تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي يبلغ 5 في المائة.
وأكدت المنصوري، في عرضها للبرنامج طبقا للفصل 88 من الدستور، أن الحكومة تسعى إلى تحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، ترتكز على حماية القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وتأمين الحاجيات الاستراتيجية للمملكة في مجالات الماء والطاقة والغذاء.
وأوضحت أن البرنامج الحكومي يقوم على سبع أولويات متكاملة، تشمل توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب، فضلا عن بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية.
إجراءات لدعم القدرة الشرائية وإصلاح التقاعد
وفي الجانب الاجتماعي، أعلنت رئيسة الحكومة عزمها إقرار تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، بالنسبة إلى المسكن الرئيسي، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات.
كما تعهدت بإطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به، إلى جانب إعادة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي، ورفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وبخصوص التقاعد، كشفت المنصوري عن توجه الحكومة نحو إطلاق إصلاح شامل لأنظمة التقاعد، بتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، مؤكدة أن الإصلاح لن يقتصر على مراجعة سن التقاعد أو نسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاشات، بل سيستهدف بناء منظومة متماسكة تضمن استدامة التمويل وكفاية المعاشات وحماية الحقوق المكتسبة.
وفي هذا السياق، تعتزم الحكومة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا بمختلف الأنظمة، وتمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدلا من 50 في المائة حاليا، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
كما التزمت بتسريع تعميم الحماية الاجتماعية، والانتقال من توسيع التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات صحية ذات جودة، عبر معالجة الخصاص في العرض الصحي، وإصلاح استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة.
إصلاح التعليم والسكن ومواكبة الشباب
وفي مجال التربية والتكوين، حددت الحكومة هدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031، من خلال مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية.
كما تعهدت بتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول سنة 2030، عبر الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بمغادرة المدرسة، وتتبع مساراتهم الفردية، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة تشمل إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو التكوين بالتدرج.
وفي قطاع السكن، أعلنت المنصوري وضع برنامج للسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب المواكبة التقنية المجانية.
كما تعتزم الحكومة إخراج قانون للتعمير بالوسط القروي، يروم تبسيط مساطر البناء وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
أما في ما يتعلق بإدماج الشباب، فأعلنت رئيسة الحكومة إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
كما تعتزم الحكومة مواكبة 60 ألف مقاولة لضمان تطورها واستمرارها، من خلال الاحتضان وتسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب تفعيل جواز الحركة المهنية لدعم الشباب الذين يحصلون على فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، وإطلاق برنامج للسكن بالكراء بأسعار مناسبة.
رفع التحويلات المالية للجهات إلى 12 مليار درهم
وفي ما يخص التنمية الترابية، تعهدت الحكومة برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.
كما وضعت تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ضمن أولوياتها، إلى جانب تسريع تنفيذ ميثاق اللاتمركز الإداري، بهدف تعزيز أثر السياسات العمومية في حياة المواطنين وتحسين الحكامة الترابية.
وفي مجال محاربة الفساد والريع، أعلنت المنصوري استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على امتيازات.
كما تعتزم الحكومة إطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، ووضع آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض، مع إلزام أصحاب الصفقات العمومية بتخصيص 30 في المائة من قيمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
تعزيز الأمن المائي والطاقة والغذاء
وعلى مستوى السيادة الاستراتيجية، التزمت الحكومة برفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، مع تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، والتقدم في تطوير البنيات التحتية للغاز، واعتماد تدابير للنجاعة الطاقية.
وفي مجال الماء، تعتزم الحكومة مضاعفة إنجاز السدود، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات، وتسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، إلى جانب تنفيذ مشاريع تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، مع مراعاة التوازنات المائية للمناطق المعنية.
كما أعلنت إعداد مخطط وطني للماء يشكل إطارا استراتيجيا لتوجيه السياسة المائية على المدى الطويل، مع تعزيز الترابط بين السياسات العمومية المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، تعهدت الحكومة برفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، وتأمين المخزونات وتموين السوق، ومراجعة مخزون الحبوب وضبط صادرات السلاسل الحساسة، إلى جانب دعم إعادة تكوين القطيع وتيسير ولوج صغار الكسابة إلى السلالات عالية الإنتاجية وتعزيز اليقظة الوبائية والصحية.
كما ستعمل الحكومة على إرساء آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، خصوصا في المناطق النائية، وإعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، مع دعم المقاولات الناشئة المبتكرة وتعزيز السيادة الصناعية للمملكة.
استهداف نمو سنوي بـ5% واستقطاب 26 مليون سائح
اقتصاديا، حددت الحكومة هدف تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026-2031.
كما تستهدف وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتصل إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031، عبر توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، والاستفادة من أثر النمو، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.
وفي إطار تعزيز الاستثمار، تسعى الحكومة إلى رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، من خلال تفعيل ميثاق الاستثمار، وتسريع المشاريع المتعاقد بشأنها، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتيسير التمويل والضمان والولوج إلى الصفقات العمومية.
كما أعلنت إطلاق خارطة طريق سياحية للفترة 2027-2030، تستهدف بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، مع مواصلة تحديث القطاع الفلاحي وتطوير التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
وأكدت المنصوري أن الحكومة ستعمل على تعزيز الصناعة الوطنية والمنتوج المحلي لتعويض الواردات، خصوصا المنتجات تامة الصنع، وتنويع الاقتصاد وامتلاك التكنولوجيا وتطوير الصناعات منخفضة الكربون، إلى جانب إعادة هيكلة المحفظة العمومية وتحسين الوضعية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية.
التزام بمواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية
وفي الشق المتعلق بالسيادة الوطنية والسياسة الخارجية، أكدت رئيسة الحكومة أن الصحراء المغربية ستظل في مقدمة القضايا الوطنية، مشددة على مواصلة الدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية ومصالحها، وحشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية باعتبارها بوابة للعمق الإفريقي والمجال الأطلسي للمملكة.
كما جددت الحكومة تمسكها بموقف المغرب من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، وبالتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين لتحقيق سلام عادل ودائم، تحت قيادة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين ورئيس لجنة القدس.
وفي ختام عرضها، أكدت المنصوري أن تنفيذ البرنامج الحكومي يظل مسؤولية حكومية تخضع لرقابة البرلمان وتقييمه، مشددة على انفتاحها على الأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين والإعلاميين والكفاءات الوطنية، مع الالتزام بإبقاء الحوار مفتوحا أمام المقترحات الجادة والنقد البناء.

