القناة من الدار البيضاء
بينما تتجه الأنظار إلى حزب الأصالة والمعاصرة في مرحلة سياسية دقيقة، باعتباره واحدا من أبرز الأحزاب التي تراهن على تصدر الاستحقاقات الانتخابية المقبلة والمشاركة بقوة في تشكيل الحكومة، تبدو الحاجة داخل الحزب إلى خطاب سياسي أكثر انضباطا واحترافية أكبر من أي وقت مضى.
ففي اللحظات التي ترتفع فيها رهانات الأحزاب، لا تصبح الكلمات مجرد تعبيرات عابرة؛ إذ يمكن لعبارة واحدة أن تفتح أبوابا واسعة للتأويل، وأن تمنح الخصوم مادة جاهزة للنقاش، بل وأن تربك الصورة التي يحاول الحزب تسويقها عن نفسه.
من هذه الزاوية تحديدا، تكتسب تصريحات سمير كودار، عضو المكتب السياسي لـ”البام” ورئيس قطب التنظيم، أهمية تتجاوز مضمونها المباشر.
فقوله إن الحزب يتوفر على “36 رأسا وليس رأسا واحدا”، في معرض حديثه عن تعدد القيادات داخل الحزب، قد يكون مقصوده الإشادة بتنوع مراكز القيادة ورفض اختزال الحزب في شخص واحد، لكن السياسة لا تقرأ دائما وفق نيات أصحابها، وإنما وفق ما تسمح به عباراتهم من تأويلات.
وهنا تكمن المشكلة.
فإذا كان المقصود القول إن “البام” ليس حزبا قائما على الزعامة الفردية، وإن المكتب السياسي يضم كفاءات وقيادات قادرة على تحمل المسؤولية، فذلك خطاب يمكن الدفاع عنه.
لكن اختيار تعبير “36 رأسا” في ظرف سياسي حساس يحمل، من دون قصد ربما، إيحاء آخر: هل نحن أمام تعدد صحي في القيادة، أم أمام تعدد في مراكز القرار؟.
والفرق بين الأمرين كبير.
قوة الحزب لا تعني غموض القيادة
لا خلاف في أن وجود عدد كبير من القيادات القادرة على التأثير والتنظيم يمكن أن يشكل مصدر قوة لأي حزب. الأحزاب الكبيرة لا تُبنى بشخص واحد، ولا تستمر بالاعتماد على كاريزما فردية مهما كانت قوة صاحبها.
لكن في المقابل، لا يمكن لأي تنظيم سياسي، خصوصا عندما يقترب من استحقاق انتخابي مصيري، أن ينجح في إقناع الرأي العام بقدرته على قيادة البلاد إذا كان خطابه الداخلي والخارجي يوحي بتعدد الرؤوس وتضارب مراكز الثقل.
فالحزب يحتاج إلى قيادات متعددة، نعم؛ لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى وضوح في القيادة، ووحدة في القرار، وتسلسل واضح في المسؤوليات.
وهذا بالضبط ما جعل عبارة كودار قابلة لقراءة مغايرة تماما لما أراده صاحبها. فبدل أن تكرس صورة حزب متعدد الكفاءات، يمكن أن تُفهم على أنها اعتراف ضمني بتعدد مراكز النفوذ داخله.
وفي السياسة، أحيانا يكون الفرق بين الرسالة التي تريد إيصالها والرسالة التي تصل إلى الجمهور هو الفرق بين النجاح والارتباك.
حين يتحول الدفاع عن التعدد إلى إحراج للقيادة
الأكثر إثارة في التصريح أن كودار كان يستطيع أن يدافع عن قوة المكتب السياسي وتعدد القيادات دون أن يضع، ولو بشكل غير مباشر، صورة القيادة الجماعية للحزب في دائرة التأويل.
ففي المرحلة الحالية، يفترض أن يكون الخطاب الصادر عن قيادات “البام” متناسقا مع الصورة التي يريد الحزب تقديمها للناخبين.
وإذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري تتولى موقعا محوريا في القيادة الجماعية للحزب، فإن إبراز تعدد الكفاءات ينبغي ألا يأتي على حساب وضوح موقعها السياسي والتنظيمي.
بل إن القيادي الحزبي، في مثل هذه الظروف، لا يُقاس فقط بقدرته على الدفاع عن الحزب، وإنما أيضا بقدرته على حماية صورة الحزب من العبارات التي قد تنقلب على أصحابها.
كان المطلوب أن تكون الرسالة بسيطة: «لدينا قيادة جماعية قوية، ولدينا كفاءات متعددة، وكلها تشتغل في اتجاه واحد».
لكن الحديث عن “36 رأسا” يترك المتلقي أمام سؤال آخر: إذا كان الجميع رأسا، فمن يقود؟
وهو سؤال لم يكن الحزب في حاجة إلى أن يطرحه عليه أحد في هذه المرحلة.
هل كان وراء العبارة ما هو أبعد من البلاغة؟
بطبيعة الحال، لا يمكن الجزم بأن تصريح كودار يعكس خلافا داخليا أو عدم رضاه عن شكل القيادة الجماعية، ولا يصح تحويل عبارة واحدة إلى دليل على وجود صراع بين القيادات.
لكن السياسة مجال للتأويل، والقيادات السياسية مطالبة بأن تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها.
فالتصريح قد يقرأ باعتباره دفاعا عن الديمقراطية الداخلية، وقد يُقرأ أيضاً باعتباره تذكيرا بأن المكتب السياسي يضم قيادات متعددة، وقد يذهب آخرون أبعد من ذلك ليروا فيه تلميحا إلى أن بعض القيادات لم تنل المكانة التي تطمح إليها داخل هرم القيادة.
المشكلة إذن ليست بالضرورة في “ما أراد كودار قوله”، وإنما في أنه ترك مساحة واسعة لما يمكن أن يقال نيابة عنه. وهذه، في حد ذاتها، ثغرة في التواصل السياسي.
“البام” يحتاج إلى سائقين كثيرين… ولكن إلى مقود واحد
المرحلة المقبلة لا تحتمل كثيراً من الرسائل الملتبسة. فإذا كان “التراكتور” يريد أن يقدم نفسه باعتباره حزبا جاهزا لتحمل مسؤولية حكومية أكبر، فإن عليه أن يقدم قبل كل شيء صورة تنظيمية متماسكة.
يمكن أن يكون للحزب 36 قياديا، أو أكثر، ويمكن أن تتعدد داخله الكفاءات ومراكز الخبرة، لكن الناخب في النهاية يريد أن يعرف: من يتحمل المسؤولية؟ من يقرر؟ ومن يحاسب؟.
وهنا تبدو الحكمة الشعبية المغربية أكثر دقة من كثير من العبارات السياسية: “الوجه المشروك ما كيتغسلش”.
وفي السياسة أيضا، لا يمكن أن تكون الرسائل مشروكة إلى درجة تجعل كل تأويل ممكناً.
فالحافلة قد تستفيد من وجود أكثر من خبير داخلها، وأكثر من شخص قادر على قراءة الطريق، لكنها لا تستطيع أن تمضي إلى وجهتها إذا كان لكل واحد منهم مقود مختلف.
لذلك، فإن التحدي أمام كودار، وليس أمامه وحده، هو تحويل فكرة “تعدد القيادات” من مصدر للالتباس إلى مصدر للقوة. وذلك لا يكون بتكثير الرؤوس في الخطاب، وإنما بإظهار أن هذه الرؤوس تتحرك بعقل سياسي واحد ووجهة واحدة وقرار تنظيمي واضح.
وفي حزب يطمح إلى قيادة الحكومة، لا يكفي أن تكون لديه قيادات كثيرة؛ الأهم أن يقتنع الناخب بأن هذه القيادات تعرف جيدا من يقود، وإلى أين تتجه، ومن يتحمل مسؤولية الوصول.

