سمير بنحطة*
الصويرة العتيقة. زقاق صغير يبدأ من بوابة كبيرة مقوسة ثم ينتهي بعد خطوات. يحث الزائرون الخطا، تكاد الأكتاف تلاصق الأكتاف، ثم سرعان ما ينسلون من بوابة أخرى. “بساطة موحية”، يعلق أحدهم، لكنها بساطة عفوية تشبه حياة هذه المدينة الطيبة، الهادئة، الوادعة.
الساعة تشير إلى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. في الواقع، لا شيء يؤكد ذلك لولا ستار الظلام الذي تشقه أنوار المصابيح الكهربائية. الأجواء في هذه الساحة الصغيرة، المطلة على أقواس متوالية، أشبه بيوم صاف مشمس في ذروة الحركة خلال النهار.
في طرف الزقاق، مقهى صغير. ترطن ألسنة المرتادين بلغات كثيرة. وتنصهر الملامح والألوان واللغات وطرائق التعبير في بوتقة واحدة. مثال عابر يكثف معنى التنوع البشري، وقبله – وبعده أيضا – معنى الأخوة الإنسانية.
بصوت، يكاد يضيع وسط صخب المقهى، تقول زائرة أربعينية، بلغة فرنسية أنيقة، إنها لا تكاد تصدق أنها تشعر بهذه “السكينة الغريبة”. تسارع رفيقتها إلى التعقيب، وكأنها خبرت التجربة سابقا واستطابت نكهة السلام النفسي: “الصويرة ملاذ للأرواح”.
لا يفهم كثيرون أية روح عاشقة، متوثبة، متحيزة للحب وللموسيقى تسكن هذه الأزقة المتشعبة. في هذه الربوع، تمتزج الأصوات والحكايات واللغات والأحلام لتصنع نسيجا متفردا. نسيج متنوع لكنه واحد، مادة حياته وقوامها: الموسيقى.
وبينما تبث أنسام الأطلسي في أوصال الصويرة إحساسا أشبه بالحب من أول نظرة، يتحلق أهل المدينة وزوراها حول العازفين والمطربين المنبثين في الساحات، بينما تصدح منصات العروض الكبرى بالأغنيات.
يهمس شاب شغوف، من وسط الجموع المتحلقة، إن كناوة تخاطب كل الحواس: الكمبري يفضي إلى الأذن بأسراره، والأزياء تلون مجال النظر بألوان الفرح، وروائح البخور الزكية تنفذ إلى الأنف والروح معا.
ولأجل ذلك، تحتضن المدينة، كل عام، مهرجان كناوة وموسيقى العالم، وكأنه جسر قائم، طرفه في الصويرة ومنتهاه يمتد نحو كل الآفاق، يعبر من خلاله الإنسان ليلتقي بأخيه الإنسان.
يركز القائمون على المهرجان على معاني اللقاء والتعارف والتعايش من خلال هذه “اللغة الكونية”، التي يحسنها كل البشر، كما تقول منتجة المهرجان نائلة التازي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء.
إن الموسيقى، بهذا المعنى، تبدو وكأنها طوق نجاة في عالم يلهث تحت وطأة التوتر وتسارع وتيرة الحياة. ويجد كثير من الزوار في الصويرة فضاء أكثر انسجاما مع إيقاع الطبيعة؛ إيقاع تصنعه أصوات النوارس وهي تحلق فوق أسوار الصويرة، وهدير أمواج الأطلسي المتكسرة على الصخور، وأنغام الكمبري حين تنساب من بين أنامل معلم بارع، يحرك القلوب كما يحرك الأوتار!.
هنا، “تسافر الموسيقى، كما يسافر البشر، وتعبر الأفكار كما تعبر الذاكرة، وتتحرك الحكايات كما تتحرك الإيقاعات”، بتعبير نائلة التازي التي ترى أن الصويرة “لا تستقبل مجرد مهرجان، بل تفتح فضاء للقاء والعبور”.
وحين تنقاد الأقدام داخل هذه الأسوار العتيقة، في الليل كما في النهار، ينكشف تحت الأبصار ألق خاص، يومض ولكن لا ينطفئ، وخلفه الموسيقى تتردد في الأرجاء، تزيدها إيقاعات كناوة سحرا وجاذبية.
الصويرة ليست مجرد محطة سياحية على خريطة السفر. إنها تجربة حياة كاملة تستحق أن تعاش. تجربة حية تخبر الإنسان أن الموسيقى بوسعها أن تجعل العالم أكثر ألفة ومحبة وسلاما.
*و م ع

