القناة – محمد بودويرة
في عالم كرة القدم، هناك من يلمع اسمه في لحظات ويختفي، وهناك من يترك إرثا خالدا يبقى حاضرا بعد أن يغلق الستارة.
غانم سايس اختار أن يكون من الفئة الثانية، فهو لم يكن مجرد لاعب يرتدي شارة القيادة، بل رمز للصبر، الانضباط، والقيادة الهادئة التي تتحرك بصمت، لتترك أثرها الكبير على كل من حوله.
بدأت رحلة سايس في نادي أولمبيك فالنس الفرنسي، حيث تلقى التكوين الأساسي وصقل مهاراته الدفاعية بعيدا عن أضواء الشهرة.
بعد ذلك، انتقل بين عدة أندية فرنسية، ليصقل موهبته ويكتسب خبرة اللعب على مستوى عالي، قبل أن يحط رحاله في وولفرهامبتون الإنجليزي، حيث أصبح حجر الزاوية في الدفاع تحت قيادة المدرب البرتغالي نونو إسبيريتو سانتو.
خلال 206 مباراة و15 هدفا، ترسخت صورته كقائد صامت وصخرة لا تهزها الرياح، ملتزما، ومنتظما في الأداء، مثالا للاحترافية.
لاحقا، خاض تجربة مليئة بالحماس الجماهيري مع بشكتاش التركي، لكن القصة الأبرز في مسيرته كانت مع المنتخب الوطني المغربي.
منذ انضمامه عام 2012، كان المنتخب يبحث عن الاستقرار الدفاعي، فشكل سايس ثنائيا متينا مع المهدي بنعطية، ومع مرور الوقت أصبح صمام الأمان في قلب الدفاع بفضل ذكائه في التمركز، سرعة البديهة، وقوة التحمل البدني في المواجهات المباشرة.
شهدت مسيرة سايس محطات فارقة على الصعيد الدولي، أبرزها كأس العالم 2018 في روسيا، حيث عاد المغرب بعد غياب عشرين عاما، وحظي الجيل الوطني بلحظة فرح لا تنسى.
فيما بعد، تولى شارة القيادة من بنعطية، ليصبح الصوت الهادئ والطموح في غرفة الملابس، حلقة الوصل بين الأجيال، والمحفز الدائم للاعبين الشباب.
مرحلة جديدة بدأت مع المدرب وليد الركراكي، ومع شراكته الدفاعية مع نايف أكرد، شكل سايس جدارا منيعا خلال كأس العالم 2022 في قطر، مساهما في وصول المنتخب إلى نصف النهائي، إنجاز غير مسبوق لمنتخب إفريقي وعربي.
رغم الإصابات والتحديات البدنية، استمر سايس في قيادة الفريق، متمسكا بمكانه، ومؤكدا معنى القائد الحقيقي الذي يضع الفريق قبل نفسه.
ولم يكن تأثيره محصورا في الملعب، بل امتد إلى غرفة الملابس، حيث كان مثالا للالتزام، الانضباط، وروح الفريق، محوريا في توجيه اللاعبين الشباب، وتوضيح مسؤوليات القيادة الجديدة عندما سلم شارة القيادة لاحقا لأشرف حكيمي، محافظا على استمرارية روح الفريق.
وعندما خاض آخر كأس أمم إفريقيا على أرض الوطن، وصل سايس مع المنتخب إلى المباراة النهائية، مشاركا بكل جوارحه رغم التنبيهات العضلية والإصابات المتكررة، قبل أن يتخذ قرار الاعتزال، محققا نهاية مسيرة دولية مشرفة، مليئة بالإنجازات واللحظات الخالدة.
86 مباراة دولية ليست مجرد رقم، بل هي تدخلات حاسمة، بناء هجمات نظيفة، دموع فرح، لحظات قيادة، وإشارات تكتيكية تبني الانضباط.
إرث سايس سيبقى خالدا، قائد ذكي، صخرة في الدفاع، ومقاتل لا يعرف الاستسلام، أعاد لأسود الأطلس فخرهم الدفاعي.
كما قال سايس في وداعه: “أغادر المنتخب، لكنني سأظل أسدا إلى الأبد… وفيا ومتحمسا مهما كانت الظروف.”

