القناة – محمد بودويرة
في مدينة لا تنام على غير المجد، وبين جدران ملعبٍ شهد ولادة الأساطير وسقوطهم، يستعد “سانتياغو برنابيو” لوداع رجل لم يكن مجرد لاعب، بل كان نبضًا أبيضًا خالصًا اسمه “لوكا مودريتش“.
غدا السبت، لن تكون مواجهة ريال مدريد أمام ريال سوسييداد، برسم الجولة الثامنة والثلاثين الأخيرة من الدوري الإسباني مباراة اعتيادية، بل هو الموعد الأخير لمايسترو خط الوسط، الكرواتي الذي سكن قلوب المدريديين اثني عشر عامًا، ثم قرر أن يرحل بهدوء النبلاء.
في منشور على “إنستغرام”، كتب مودريتش بكلمات تقطر وداعًا، أمس الخميس: “كل شيء في الحياة له بداية ونهاية.. سأخوض مباراتي الأخيرة على ملعب برنابيو”.
وتابع مودريتش في منشوره الوداعي: “أغادر بقلب ممتلئ، مفعم بالفخر والامتنان وذكريات لا تنسى. ورغم أني لن أرتدي هذا القميص على أرض الملعب بعد كأس العالم للأندية، إلا أني سأظل دائما مشجعا لريال مدريد”.
فصل أخير من ملحمة مدريدية
جاء إلى مدريد صيف 2012، صغير الجسد، كبير العقل، شكك فيه البعض، وصفوه بـ”الهزيل”، لكنه ردّ في الملعب، تمريرة بعد تمريرة، بطولة بعد أخرى.
في اثني عشر موسمًا، رفع كل ما يمكن رفعه: 6 ألقاب دوري أبطال أوروبا، 4 دوريات و28 بطولة رسمية، أرقام تقول الحقيقة، لكنها لا تروي الحكاية.
الحكاية ترويها تمريراته الخارقة التي شطرت الدفاعات، لمسته التي لامست الشعر، وهدوؤه الذي زلزل أعظم الفرق. إنه الرجل الذي لا يصرخ، لكنه يجعل الملاعب تصرخ من حوله.
عناق أخير مع المدرجات
وداعه ليس مفاجئًا. عقده ينتهي هذا الصيف، لكنه اختار أن يكون الوداع من القلب إلى القلب، على أرض برنابيو، أمام الجماهير التي أحبته دون قيد، وآمنت به دون شرط.
بعد مشاركته في كأس العالم للأندية المقبلة، التي تُقام في الولايات المتحدة، سيُسدل الستار نهائيًا.
لن يكون مودريتش لاعبًا بعد اليوم، لكنه سيظل خالدًا في المدرج، وفي الأغنية، وفي الذاكرة.
من ذهب الكرة إلى ذهب القلوب
في 2018 حين نال الكرة الذهبية، كانت كرة القدم تعترف بما يعرفه المدريديون سلفًا، أن لديهم لاعبًا من زمنٍ آخر. لاعب يحترم اللعبة ويمنحها من روحه، دون ضجيج أو تصنع.
قال عنه بيريز أمس الخميس: “مودريتش سيبقى في القلوب. لاعب فريد، ورمز لقيم ريال مدريد”.
وقال النادي في بيانه الرسمي: “اتفقنا على إنهاء صفحة لا تُنسى.. مودريتش هو أكثر لاعب تتويجًا في تاريخ نادينا”.
برنابيو يستعد للبكاء
غدا السبت، سيتحول سانتياغو برنابيو إلى مسرح للعاطفة. دموع في العيون، تصفيق لا ينتهي، وأغانٍ تُرفع لاسمٍ لن يسقط.
وفي اللحظة التي يخلع فيها مودريتش القميص الأبيض للمرة الأخيرة، ستعرف الجماهير أنها لم تودّع مجرد نجم، بل ودّعت زمنًا من النقاء والفن والانتصار.
وهكذا، ينطفئ ضوء من أجمل أنوار مدريد، لكن نوره سيظل يرسم الطريق.

