القناة – محمد بودويرة
يتميز شهر رمضان بمدينة وجدة بقداسة خاصة، حيث تستعد العائلات لاستقباله في أجواء روحانية احتفالية، تعكس مكانته لديهم، حيث يرتبط مفهوم “العواشر” في الثقافة السائدة بالمنطقة بشهور معينة ومناسبات دينية أهمها شهر الصيام أو “سيدنا رمضان” كما يحلو لهم تسميته.
وتحرص الأسر على الطقوس والعادات التي توارثوها جيلا عن جيل وسط أجواء عائلية مميزة، وتكثر أعمال التضامن والتكافل في هذا الشهر الفضيل الذي تستعد له ساكنة المنطقة بشكل خاص.
الاستعداد لرمضان
وعن هذه الاستعدادات يقول الإعلامي والباحث في التراث والتصوف، عمر محموسة، “إن ساكنة وجدة تشرع في أواخر شهر شعبان بالاستعداد لرمضان، بتنظيف البيوت والمساجد وشراء الأواني الجديدة ومختلف السلع والمواد الغذائية الأساسية المخصصة لإعداد الأطباق اليومية ومختلف أشكال الحلويات”.
وأوضح محموسة في تصريح لصحيفة “القناة”، أن الزي التقليدي يعد من تفاصيل رمضان التي يتمسك بها سكان المنطقة، “فيحرصون رجالا ونساء وأطفالا على ارتدائه خلال الزيارات العائلية والتسوق، وعند أداء الصلوات في المساجد وأيضًا في العمل”.
وأشار متحدثنا إلى أن محلات بيع الملابس التقليدية “تشهد حركة غير معهودة، حيث يزداد الإقبال على اقتناء اللباس التقليدي، ويجتهد أصحابها في تنويع عروضهم من الجلباب والقفطان والجابادور وغيره”.
مائدة الإفطار الوجدية
وعن مائدة الإفطار الوجدية، قال الباحث في التراث والتصوف، إنها “تعد من الموائد المغربية الأصيلة والعريقة، والتي تعكس القيم الإسلامية السامية التي دعا لها ديننا الحنيف، فهي مائدة تجمع أفراد الأسر الوجدية على وجبة إفطار واحدة”.
وأضاف، “فالعائلات الوجدية غالبا ما تجتمع خلال شهر رمضان في بيت الجد وتتحلق حول موائد إفطار لتخلق بذلك جوا من الفرحة وتحيي صلة الرحم بشكل مستمر، وهو ما تحافظ عليه هذه الأسر منذ القدم”.
وواصل “هذه المائدة لا تخلو من الأكلات الشهية التي تتميز بها مدينة وجدة وجهة الشرق عموما، وفي مقدمتها حلويات “الزلابية” و”الكريوش” و”المقروط” والكعك الوجدي بنوعيه العادي و”المخمر” و”سلو” وغيرها من الحلويات التي لا يمكن أن تخلو منها المائدة الرمضانية الوجدية، بالإضافة إلى توسط “الحريرة” مائدة الإفطار، وفي بعض الأحيان تعوض الحريرة بطبق “السفة” المرفقة بالشاي وهو طبق من الكسكس بالتمر واللوز وحبات الزبيب والسكر والذي لا تستغني عنه العائلات الوجدية في مناسبة عدة أهمها مناسبة شهر الصيام”.
وأوضح أن مائدة الإفطار الوجدية “تسهر عليها النساء من خلال تحضير الحلويات بأيام قبل شهر رمضان، رغم انتشار محلات بيع هذه الحلويات خاصة منها الكعك والمقروط والزلابية، إلا أن الوجديات يجتمعن ضمن أسرهن أياما قبل رمضان ويهيئن ما لذ من هذه المأكولات المختلفة، فرحين برمزية هذا الشهر الدينية والروحية”.
الصائمون الصغار
وكشف الإعلامي والباحث في التراث والتصوف عمر محموسة، أن الأسر بمدن الجهة الشرقية، تعمل على تحبيب الصيام إلى الأطفال في سن مبكرة بطريقة يطلق عليها إسم “تخياط النهار“، إذ يتم تحفيز الطفل على صيام الفترة الصباحية من اليوم ثم يستكمل يومه بصيام الفترة الزوالية من اليوم التالي.
وأوضح متحدثنا أنه عندما يصوم الطفل أول يوم له كاملا، تحتفي به الأسرة في احتفال كبير تحضره العائلة ابتهاجا بهذا الحدث المهم والمميز في حياته، مشيرا إلى أن الصائمون الصغار يرتدون ملابس تقليدية، الجلباب المغربي و”الرزة” للفتى و”البلوزة الوجدية” المطرزة والمبهرة للناظرين بفخامتها وإتقانها للفتاة، وتخضب أيديهم بالحناء، وتحّضر ربة البيت مائدة إفطار متنوعة تضم كل ما يشتهيه الطفل الصائم من وجبات، ويقدم له أفراد العائلة هدايا تشجيعًا له ولغيره على حب هذه العبادة.
صلاة التراويح والاستعداد للعيد
وبعد الإفطار يقول محموسة، “تشهد مساجد مدينة وجدة والتي تتجاوز 400 مسجد “إقبالا منقطع النظير في شهر رمضان الكريم من أجل أداء صلاة التراويح، والاستماع إلى الدروس والمواعظ الدينية، وقد يضطر كثير من المصلين إلى الصلاة خارج المساجد”.
وأضاف، “بعد صلاة التراويح تدب الحركة في شوارع المدينة، وتتميز بحركية مميزة واستثنائية، كما تنشط المحلات التجارية والأسواق والمقاهي والساحات العمومية إلى ساعات متأخرة من الليل”.
“كما أن الأجواء الليلة بأسواق المدينة” –مواصلا- “تعرف انتعاشا ملحوظا خصوصا من ليلة نصف رمضان حيث تقصد العائلات الوجدية أسواق المدينة “سوق طنجة” و”سوق الفلاح” و”سوق مليلية” ومختلف “القيساريات” المنتشرة من أجل اقتناء ما يلزم عيد الفطر من ملابس وحلويات وديكورات للتزيين”.
عادات رمضانية اندثرت وأخرى في تراجع
وأشار متحدثنا إلى أن وجدة كانت تعرف خلال السنوات الماضية تنظيم مهرجان للسماع والمديح من طرف جماعة وجدة، “بحيث كانت تخصص ساحات المدينة المختلفة بعد صلاة التراويح من كل ليلة لأمسية في المديح والسماح، لكن هذا الأمر توقف منذ زمن كورونا وإلى يومنا هذا غابت عن ساحات المدينة ليالي السماع التي كان يحضرها المئات من محبي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
وأوضح أن “أهم ما يمكن أن نعتبره ميزة أصيلة عند الوجديين هو احتفالهم بليلة القدر فلا يكاد يخلو بيت من الكسكس كما تقدم العائلات الوجدية على إرسال صحون الكسكس للمساجد تصدقا على المصلين الذين يقومون الليل، فتكون تلك الليلة ليلة ترحيب بكل من حل على المسجد”.
وكشف أن النساء يجتمعن بمنزل إحدى الجارات في آخر أيام رمضان لتحضير الحلويات أو ما يصطلح عليه لدى الوجديين “بالكاطو”، غير أن هذه العادة بدأت تتراجع خلال السنين الأخيرة بسبب غزو الحلويات المختلفة والمتنوعة لأسواق المدينة مما جعل نسبة من الساكنة تقبل على شراء الحلويات دون تحضيرها بالبيت.

