القناة – محمد بودويرة
مع حلول شهر رمضان الكريم تبرز مجموعات من العادات والتقاليد التي تميز هذا الشهر الفضيل الذي يعتبر مناسبة دينية تحتفل بها الأسر المغربية سنويا بشغف كبير.
وكباقي المغاربة، تستقبل ساكنة مدينة تازة هذا الشهر المبارك بطابع خاص من حيث التقاليد والعادات، التي لا تختلف في جوهرها عما تعيشه الأسر المغربية في باقي مدن المملكة من أجواء روحانية وتعبدية أصيلة مرتبطة بهذه المناسبة الدينية.
فكلما حل شهر الغفران إلا واستعدت كل الأسر التازية لاستقباله بكل سعادة روحية وإيمان قوي. ولعل ما يميز رمضان لدى العائلات التازية العادات والتقاليد المترسخة في وجدانهم، والموروثة أبا عن جد.
الاستعداد لشهر الغفران
وتبدأ الاستعدادت لصيام رمضان في مدينة تازة من منتصف شهر شعبان، حيث تعكف النساء على شراء ما تحتاجه من سلع ومواد غذائية أساسية، وتنظيف المنازل وتبليطها، كما أن الساكنة تحرص على قضاء هذا الشهر الفضيل رفقة الأبناء والأسرة الكبيرة.
ويقول الفنان الحكواتي عبد الحق بوعمر، “قبل حلول شهر رمضان تقوم نساء تازة العليا (المدينة العتيقة) على وجه التحديد، بتنظيف المنازل بـ”الجير” لتعطيها جمالية تليق بسيدنا رمضان، كما أن هناك من يصبغ باب المنزل تيمننا بالشهر الفضيل”.
وأضاف في تصريح لصحيفة القناة “بعد ذلك تخرج النساء للتسوق لشراء مستلزمات رمضان وعلى رأسها “الزميطة” أو “السفوف” وهي ضاربة في التاريخ لدرجة نُضم فيه الشعر الذي يتغنى به أصحاب الملحون في ليالي عيساوى قبل وبعد وخلال رمضان، وتتميز بتوابلها الخاصة”.
التشفيع بعد الإفطار
وأوضح المتحدث ذاته، أن التازيات يحرصن على توفير مخزون لموائد الإفطار بأيام قبل حلول الشهر الفضيل، حيث يعكفن على تحضير ما لذ وطاب من الأطباق التي تميزهن، على رأسها “بوشيار، رغايف، الخليع، المسمن..”.
وعن مائدة الإفطار كشف الحكواتي، أن المائدة التازية تتكون بالإضافة إلى ما تم ذكره، من “المخرقة، الحلوة الفيلالية، بيض مسلوق، الحريرة، الشباكية..”.
وقال المتحدث، إن الإفطار لدى التازيين يكون معتدل، وبعد صلاة التراويح يتم “التشفيع” أي تناول وجبة العشاء التي يكون طبقها الرئيسي “طاجين”، أما وجبة السحور فتتكون عادة من “البغرير” بالعسل والشاي أو “المسمن” والشاي مع التمر والحليب.
“مؤنس المرضى” و”عوايد النفار”.. عادات تازية اندثرت
وأبرز متحدثنا مجموعة من العادات والتقاليد التي كانت تميز مدينة تازة عن باقي مدن المملكة، من بينها تنظيم ليالي المديح والسماع بعد صلاة التراويح، ومؤنس المرضى.
ويقول بوعمر، “كانت هناك عادات وتقاليد لدى التازيين اندثرت، أبرزها جلسات للمديح والسماع بعد صلاة التراويح التي كان يتم تنظيمها بالتناوب عند كل أسرة”.
وأضاف، “في القدم عندما لم يكن هناك تلفاز كان هناك من الرجال من يرتادون المقهى بعد صلاة التراويح للعب الورق، او من يفضل العودة للمنزل للاستماع إلى المذياع”.
وكشف متحدثنا، أنه كان هناك ما يمسى بـ”مؤنس المرضى” والذي هو عبارة عن شخص يعتلي صومعة المسجد بعد صلاة التراويح ويبدأ بـ”التهليل” بشدرات من المديح بأنغام شجية ليؤنس المرضى الذين لا يستطيعون الخروج من المنزل للذهاب إلى المقهى للاستماع إلى المذياع.
بالإضافة إلى هذه العادات يقول الحكواتي، “كان هناك النفار الذي يعلن عن موعد الإفطار ويوقد الناس إلى السحور طيلة شهر رمضان، وفي صباح يوم 27 من الشهر الفضيل يمتطي الشخص الذي كان مكلفا بالنفخ في النفار، الحمار ويجول بين أزقة المدينة ويطلق صوته المميز ليخرج الناس ويمدونه بالنقود والسكر والخبز كل حسب المستطاع، وتسمى هذه العملية بعوايد النفار”.
وأضاف بوعمر، “وكان النفار ينفخ في كأس ماء لعلاج الأطفال الذين يعانون من التأخر في النطق، وبقدرة قادر ينطقون أولى الحروف بعد يومين من شرب داك الماء”.
تبادل الزيارات بعد صلاة التراويح
وتقضي الأسر التازية كل أيام الشهر الكريم في نفس الأجواء الروحانية، فبعد أذان صلاة المغرب والفطور يتجه الجميع إلى المساجد من أجل صلاة العشاء والتراويح، وبعدها غالبا ما يتوافد الناس على المقاهي والفضاءات المفتوحة؛ بينما يفضل الآخرون العودة إلى البيت لقضاء الليلة بين أفراد العائلة ومتابعة ما يبث على القنوات التلفزية في انتظار السحور وصلاة الفجر.
وبخصوص تبادل الزيارات العائلية في هذا الشهر الفضيل، تتناوب العائلات على زيارة بعضها البعض، كعادة لم تتأثر بالزمن لدى العائلات العريقة، وذلك بفضل التراحم والتلاحم الذي يميزها خلال الشهر الكريم. وتبقى ليلة القدر ذات وقع كبير على قلوب التازيين، يقضونها متجولين بين المساجد من أجل الصلاة والتعبد والدعاء.
وغالبية التازيين يحاولون الصلاة في أكبر عدد ممكن من المساجد في الليلة الكريمة. كما يرتدي جميع أفراد الأسرة لباسا يليق بليلة القدر وعظمتها عند الله عز وجل. وفي الصباح الباكر يحج التازيون إلى المقابر من أجل الترحم على الأموات.

